بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
نسخ
مشاركة
التفسير
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
تفسير سورة الجمعة وهي مدنية .
عن ابن عباس ، وأبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين . رواه مسلم في صحيحه .
يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض ، أي : من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها ، كما قال : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ الإسراء : 44 ]
ثم قال : ( الملك القدوس ) أي : هو مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بحكمه ، وهو ( القدوس ) أي : المنزه عن النقائص ، الموصوف بصفات الكمال ( العزيز الحكيم ) تقدم تفسيره غير مرة .
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
سورة الجمعة
مدنية في قول الجميع ، وهي إحدى عشرة آية . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " . وعنه قال : قال رسول الله : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال - يوم الجمعة ، فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " .
بسم الله الرحمن الرحيم
يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم
تقدم الكلام فيه . وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم " الملك القدوس العزيز الحكيم " كلها رفعا ; أي هو الملك .
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
أي: يسبح لله، وينقاد لأمره، ويتألهه، ويعبده، جميع ما في السماوات والأرض، لأنه الكامل الملك، الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، فالجميع مماليكه، وتحت تدبيره، { الْقُدُّوسُ } المعظم، المنزه عن كل آفة ونقص، { الْعَزِيزُ } القاهر للأشياء كلها، { الْحَكِيمُ } في خلقه وأمره.
فهذه الأوصاف العظيمة مما تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢
نسخ
مشاركة
التفسير
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢
وقوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) الأميون هم : العرب كما قال تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) [ آل عمران : 314 ] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم ، ولكن المنة عليهم أبلغ وآكد ، كما في قوله : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) [ الزخرف : 44 ] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به . وكذا قوله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] وقوله : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] وقوله إخبارا عن القرآن : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم ، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام ، بالآيات والأحاديث الصحيحة ، ولله الحمد والمنة .
وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . فبعثه الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة ، على حين فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وقد اشتدت الحاجة إليه ، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب - أي : نزرا يسيرا - ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم عليه السلام ; ولهذا قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) وذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه ، وقلبوه وخالفوه ، واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا ، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها ، فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق ، فيه هدايتهم ، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم ، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ، ورضا الله عنهم ، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله . حاكم ، فاصل لجميع الشبهات والشكوك ، والريب في الأصول والفروع . وجمع له تعالى ، وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله ، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين ، ولا يعطيه أحدا من الآخرين ، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين .
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢
قوله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
قوله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم قال ابن عباس : الأميون العرب كلهم ، من كتب منهم ومن لم يكتب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب . وقيل : الأميون الذين لا يكتبون . وكذلك كانت قريش . وروى منصور عن إبراهيم قال : الأمي الذي يقرأ ولا يكتب . وقد مضى في " البقرة " .
رسولا منهم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه . قال ابن إسحاق : إلا حي تغلب ; فإن الله تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم لنصرانيتهم ، فلم يجعل لهم عليه ولادة . وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم . قال الماوردي : فإن قيل ما وجه الامتنان إن بعث نبيا أميا ؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء . الثاني : لمشاكلة حال لأحوالهم ، فيكون أقرب إلى موافقتهم . الثالث : لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها . قلت : وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته .
قوله تعالى : يتلو عليهم آياته يعني القرآن
" ويزكيهم " أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان ; قاله ابن عباس . وقيل : يطهرهم من دنس الكفر والذنوب ; قاله ابن جريج ومقاتل . وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم
ويعلمهم الكتاب يعني القرآن
والحكمة السنة ; قاله الحسن . وقال ابن عباس : الكتاب الخط بالقلم ; لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط . وقال مالك بن أنس : الحكمة الفقه في الدين . وقد مضى القول في هذا في " البقرة " .
" وإن كانوا من قبل " أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم .
لفي ضلال مبين أي في ذهاب عن الحق .
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢
المراد بالأميين: الذين لا كتاب عندهم، ولا أثر رسالة من العرب وغيرهم، ممن ليسوا من أهل الكتاب، فامتن الله تعالى عليهم، منة عظيمة، أعظم من منته على غيرهم، لأنهم عادمون للعلم والخير، وكانوا في ضلال مبين، يتعبدون للأشجار والأصنام والأحجار، ويتخلقون بأخلاق السباع الضارية، يأكل قويهم ضعيفهم، وقد كانوا في غاية الجهل بعلوم الأنبياء، فبعث الله فيهم رسولاً منهم، يعرفون نسبه، وأوصافه الجميلة وصدقه، وأنزل عليه كتابه { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ } القاطعة الموجبة للإيمان واليقين، { وَيُزَكِّيهِمْ } بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة، { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أي: علم القرآن وعلم السنة، المشتمل ذلك علوم الأولين والآخرين، فكانوا بعد هذا التعليم والتزكية منه أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، وأكمل الخلق أخلاقًا، وأحسنهم هديًا وسمتًا، اهتدوا بأنفسهم، وهدوا غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين، وهداة المؤمنين، فلله عليهم ببعثه هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، أكمل نعمة، وأجل منحة
وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
نسخ
مشاركة
التفسير
وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
وقوله : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله .
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلت عليه سورة الجمعة : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قالوا : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو : رجل - من هؤلاء " .
ورواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير من طرق عن ثور بن زيد الديلي ، عن سالم أبي الغيث ، عن أبي هريرة به
ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية ، وعلى عموم بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الناس ; لأنه فسر قوله : ( وآخرين منهم ) بفارس ولهذا كتب كتبه إلى فارس ، والروم ، وغيرهم من الأمم ، يدعوهم إلى الله عز وجل ، وإلى اتباع ما جاء به ; ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال : هم الأعاجم ، وكل من صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير العرب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب " ثم قرأ : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) يعني : بقية من بقي من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله : ( وهو العزيز الحكيم ) أي : ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره .
وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
قوله تعالى : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم
قوله تعالى : " وآخرين منهم " هو عطف على الأميين ؛ أي بعث في الأميين وبعث في آخرين منهم . ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في يعلمهم ويزكيهم ; أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين ; لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه .
" لما يلحقوا بهم " أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم . قال ابن عمر وسعيد بن جبير : هم العجم . وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة " الجمعة " فلما قرأ : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا . قال : وفينا سلمان الفارسي . قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء " . في رواية : " لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال - من أبناء فارس حتى يتناوله " لفظ مسلم . وقال عكرمة : هم التابعون . مجاهد : هم الناس كلهم ; يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم . وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان . قالا : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة . وروى سهل بن سعد الساعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب " ثم تلا : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم . والقول الأول أثبت . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيتني أسقي غنما سودا ثم أتبعتها غنما عفرا ، أولها يا أبا بكر " . فقال : يا رسول الله ، أما السود فالعرب ، وأما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذا أولها الملك " يعني جبريل عليه السلام . رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
{ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } أي: وامتن على آخرين من غيرهم أي: من غير الأميين، ممن يأتي بعدهم، ومن أهل الكتاب، لما يلحقوا بهم، أي: فيمن باشر دعوة الرسول، ويحتمل أنهم لما يلحقوا بهم في الفضل، ويحتمل أن يكونوا لما يلحقوا بهم في الزمان، وعلى كل، فكلا المعنيين صحيح.
ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤
نسخ
مشاركة
التفسير
ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤
وقوله : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) يعني : ما أعطاه الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من النبوة العظيمة ، وما خص به أمته من بعثته - صلى الله عليه وسلم - إليهم .
ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤
قوله تعالى : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
قال ابن عباس : حيث ألحق العجم بقريش ؛ يعني الإسلام : فضل الله يؤتيه من يشاء ; قاله الكلبي . وقيل : يعني الوحي والنبوة ; قاله مقاتل . وقول رابع : إنه المال ينفق في الطاعة ; وهو معنى قول أبي صالح . وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم . فقال : " وما ذاك ؟ " قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة " . قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وقول خامس : أنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخولهم في دينه ونصرته . والله أعلم .
ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤
فإن الذين بعث الله فيهم رسوله وشاهدوه وباشروا دعوته، حصل لهم من الخصائص والفضائل ما لا يمكن أحدًا أن يلحقهم فيها، وهذا من عزته وحكمته، حيث لم يترك عباده هملاً ولا سدى، بل ابتعث فيهم الرسل، وأمرهم ونهاهم، وذلك من فضل الله العظيم، الذي يؤتيه من يشاء من عباده، وهو أفضل من نعمته عليهم بعافية البدن وسعة الرزق، وغير ذلك، من النعم الدنيوية، فلا أعظم من نعمة الدين التي هي مادة الفوز، والسعادة الأبدية.
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥
نسخ
مشاركة
التفسير
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥
يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ، فلم يعملوا بها ، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ، أي : كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها ، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه . وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه ، حفظوه لفظا ولم يفهموه ولا عملوا بمقتضاه ، بل أولوه وحرفوه وبدلوه ، فهم أسوأ حالا من الحمير ; لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ; ولهذا قال في الآية الأخرى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف : 179 ] وقال ها هنا : ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين )
وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا ابن نمير ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب ، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له " أنصت " ، ليس له جمعة "
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥
قوله تعالى : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين
ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم . حملوا التوراة أي كلفوا العمل بها ; عن ابن عباس . وقال الجرجاني : هو من الحمالة بمعنى الكفالة ; أي ضمنوا أحكام التوراة .
كمثل الحمار يحمل أسفارا هي جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير ; لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ . قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زنبيل ; فهكذا اليهود . وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ; لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء . وقال الشاعر مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة :
زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا
بأوساقه أو راح ما في الغرائر
وقال يحيى بن يمان : يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر ، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب . وقال الشاعر :
إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
وقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن :
انعق بما شئت تجد أنصارا وزم أسفارا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفار يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى إن كان ما فيها صوابا وخطا
إن سئلوا قالوا كذا روينا ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحفل لأنه قلد أهل الجهل
" ثم لم يحملوها " ؛ أي لم يعملوا بها . شبههم - والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة . و " يحمل " في موضع نصب على الحال ; أي حاملا . ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف ; لأن الحمار كاللئيم . قال :
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
بئس مثل القوم : المثل الذي ضربناه لهم ; فحذف المضاف .
والله لا يهدي القوم الظالمين أي من سبق في علمه أنه يكون كافرا .
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥
لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها، ويعملوا بما فيها ، وانهم لم يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارًا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم.
بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به.
{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: لا يرشدهم إلى مصالحهم، ما دام الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا ومن ظلم اليهود وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء الله من دون الناس.
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
نسخ
مشاركة
التفسير
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
ثم قال تعالى : ( قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) أي : إن كنتم تزعمون أنكم على هدى ، وأن محمدا وأصحابه على ضلالة ، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ( إن كنتم صادقين ) فيما تزعمونه .
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
قوله تعالى : قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين
لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه قال الله تعالى : إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فللأولياء عند الله الكرامة .
فتمنوا الموت إن كنتم صادقين لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله .
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } وهذا أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلاً على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
نسخ
مشاركة
التفسير
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
قال الله تعالى : ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) أي : بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ، ( والله عليم بالظالمين ) وقد قدمنا في سورة " البقرة " الكلام على هذه المباهلة لليهود حيث قال تعالى : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) [ البقرة : 94 - 96 ] وقد أسلفنا الكلام هناك وبينا أن المراد أن يدعوا على الضال من أنفسهم أو خصومهم ، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) [ آل عمران : 61 ] ومباهلة المشركين في سورة مريم : ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) [ مريم : 75 ]
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد ، حدثنا فرات ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال أبو جهل لعنه الله : إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه . قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار . ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا .
رواه البخاري ، والترمذي ، والنسائي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم به قال البخاري : " وتبعه عمرو بن خالد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم " . ورواه النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عبد الله الحلبي ، عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ; فلو تمنوه لماتوا ; فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية . وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية : " والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات " . وفي هذا إخبار عن الغيب ، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد مضى معنى هذه الآية في " البقرة " في قوله تعالى - : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين .
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
{ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي من الذنوب والمعاصي، التي يستوحشون من الموت من أجلها، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
نسخ
مشاركة
التفسير
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
وقوله تعالى : ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) كقوله تعالى في سورة النساء : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 78 ]
وفي معجم الطبراني من حديث معاذ محمد بن محمد الهذلي ، عن يونس ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعا : " مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين ، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره ، فقالت له الأرض : يا ثعلب ديني . فخرج له حصاص ، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ، فمات " .
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
قوله تعالى : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون قال الزجاج : لا يقال : إن زيدا فمنطلق ، وهاهنا قال : فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء ، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه . قال زهير :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
قلت : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله : " الذي تفرون منه " ثم يبتدئ " فإنه ملاقيكم " . وقال طرفة :
وكفى بالموت فاعلم واعظا لمن الموت عليه قد قدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره إن في الموت لذي اللب عبر
كل شيء سوف يلقى حتفه في مقام أو على ظهر سفر
والمنايا حوله ترصده ليس ينجيه من الموت الحذر
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
هذا وإن كانوا لا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم، و يفرون منه [غاية الفرار]، فإن ذلك لا ينجيهم، بل لا بد أن يلاقيهم الموت الذي قد حتمه الله على العباد وكتبه عليهم.
ثم بعد الموت واستكمال الآجال، يرد الخلق كلهم يوم القيامة إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر، قليل وكثير.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩
نسخ
مشاركة
التفسير
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩
إنما سميت الجمعة جمعة ; لأنها مشتقة من الجمع ، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار وفيه كمل جميع الخلائق ، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض . وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها . وفيه تقوم الساعة . وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن منصور ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن قرثع الضبي ، حدثنا سلمان قال : قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - : " يا سلمان ما يوم الجمعة ؟ " . قلت : الله ورسوله أعلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يوم جمع فيه أبواك - أو أبوكم "
وقد روي عن أبي هريرة من كلامه ، نحو هذا ، فالله أعلم .
وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة . وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه ، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق ، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة ، كما أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا . ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا ، والنصارى بعد غد " لفظ البخاري .
وفي لفظ لمسلم : " أضل الله من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد . فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة ، المقضي بينهم قبل الخلائق " .
وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) أي : اقصدوا واعمدوا واهتموا في مسيركم إليها ، وليس المراد بالسعي ها هنا المشي السريع ، وإنما هو الاهتمام بها ، كقوله تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) [ الإسراء : 19 ] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها : " فامضوا إلى ذكر الله " . فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه ، لما أخرجاه في الصحيحين ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " . لفظ البخاري
وعن أبي قتادة قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع جلبة رجال ، فلما صلى قال : " ما شأنكم ؟ " . قالوا : استعجلنا إلى الصلاة . قال : " فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " . أخرجاه
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها تمشون ، وعليكم السكينة والوقار ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .
رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك ، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بمثله
قال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع .
وقال قتادة في قوله : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) يعني : أن تسعى بقلبك وعملك ، وهو المشي إليها ، وكان يتأول قوله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي ) [ الصافات : 102 ] أي : المشي معه . روي عن محمد بن كعب ، وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك .
ويستحب لمن جاء الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها ، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل "
ولهما عن أبي سعيد رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم "
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، يغسل رأسه وجسده " . رواه مسلم
وعن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم ، وهو يوم الجمعة " . رواه أحمد ، والنسائي ، وابن حبان
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من غسل واغتسل يوم الجمعة ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر سنة ، أجر صيامها وقيامها " .
وهذا الحديث له طرق وألفاظ ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " أخرجاه
ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ، ويتطيب ويتسوك ، ويتنظف ويتطهر . وفي حديث أبي سعيد المتقدم : " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، والسواك ، وأن يمس من طيب أهله " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عمران بن أبي يحيى ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبي أيوب الأنصاري : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله - إن كان عنده - ولبس من أحسن ثيابه ، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع - إن بدا له - ولم يؤذ أحدا ، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي ، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى "
وفي سنن أبي داود ، وابن ماجه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته "
وعن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم الجمعة ، فرأى عليهم ثياب النمار ، فقال : " ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته ، سوى ثوبي مهنته " . رواه ابن ماجه
وقوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة ) المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج فجلس على المنبر ، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه ، فهذا هو المراد ، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فإنما كان هذا لكثرة الناس ، كما رواه البخاري رحمه الله حيث قال : حدثنا آدم - هو ابن أبي إياس - حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس ، زاد النداء الثاني على الزوراء يعني : يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء ، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا محمد بن راشد المكحولي ، عن مكحول : أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام ، ثم تقام الصلاة ، وذلك النداء الذي يحرم عنده البيع والشراء إذا نودي به ، فأمر عثمان رضي الله عنه ، أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس .
وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون النساء ، والعبيد ، والصبيان ويعذر المسافر ، والمريض ، وقيم المريض ، وما أشبه ذلك من الأعذار ، كما هو مقرر في كتب الفروع .
وقوله : ( وذروا البيع ) أي : اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة : ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني . واختلفوا : هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا ؟ على قولين ، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه ، والله أعلم .
وقوله : ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم ، أي : في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون .
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون .
فيه ثلاث عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم على التخفيف . وهما لغتان . وجمعهما جمع وجمعات . قال الفراء : يقال الجمعة ( بسكون الميم ) والجمعة ( بضم الميم ) والجمعة ( بفتح الميم ) فيكون صفة اليوم ; أي تجمع الناس . كما يقال : ضحكة للذي يضحك . وقال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جمعة ; يعني بضم الميم . وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن ; نحو غرفة وغرف ، وطرفة وطرف ، وحجرة وحجر . وفتح الميم لغة بني عقيل . وقيل : إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم . وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم " . وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات . وقيل : لتجتمع الجماعات فيها . وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة . و " من " بمعنى في ; أي في يوم ; كقوله تعالى : أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض .
الثانية : قال أبو سلمة : أول من قال : " أما بعد " كعب بن لؤي ، وكان أول من سمى الجمعة جمعة . وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة . وقيل : أول من سماها جمعة الأنصار . قال ابن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ; وهم الذين سموها الجمعة ; وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه ، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت . وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه - ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ; فاجعلوه يوم العروبة . فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ( أبو أمامة رضي الله عنه ) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا . فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم . فهذه أول جمعة في الإسلام .
قلت : وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي . وجاء في هذه الرواية أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة ، وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي . وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه . والله أعلم .
وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ; فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى . ومن تلك السنة يعد التاريخ . فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم . ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ; فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا ; فجمع بهم وخطب . وهي أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها : " الحمد لله . أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ، وأعادي من يكفر به . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ، وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة ، وقرب من الأجل . من يطع الله ورسوله فقد رشد . ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا . أوصيكم بتقوى الله ، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله . واحذروا ما حذركم الله من نفسه ; فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة . ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية ، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قدم . وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا . ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد . هو الذي صدق قوله ، وأنجز وعده ، لا خلف لذلك ; فإنه يقول تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ; فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا . ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما . وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه . وإن تقوى الله تبيض الوجوه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة . فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ، فقد علمكم كتابه ، ونهج لكم سبيله ; ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده ; هو اجتباكم وسماكم المسلمين . ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . ولا حول ولا قوة إلا بالله . فأكثروا ذكر الله تعالى ، واعملوا لما بعد الموت ; فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس . ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه . الله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .
وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها : " جواثي " من قرى البحرين . وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب ; كما تقدم . والله أعلم .
الثالثة : خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : يا أيها الذين آمنوا ، ثم خصه بالنداء ، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه . وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ . قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول : " من يوم الجمعة " وذلك يفيده ; لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة . فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام . ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة .
الرابعة : فقد تقدم حكم الأذان في سورة " المائدة " مستوفى . وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ; يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر . وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة . ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على داره التي تسمى " الزوراء " حين كثر الناس بالمدينة . فإذا سمعوا أقبلوا ; حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخطب عثمان . خرجه ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ; إذا خرج أذن وإذا نزل أقام . وأبو بكر وعمر كذلك . فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء " ; فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام . خرجه البخاري من طرق بمعناه . وفي بعضها : أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام . وقال الماوردي : فأما الأذان الأول فمحدث ، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها . وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم ، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد ، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد . قاله ابن العربي . وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " يعني الأذان والإقامة . ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما ، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم . ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة ، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية . وكل ذلك محدث .
الخامسة : قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله اختلف في معنى السعي هاهنا على ثلاثة أقوال : أولها : القصد . قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية . الثاني : أنه العمل ، كقوله تعالى : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وقوله : إن سعيكم لشتى ، وقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وهذا قول الجمهور . وقال زهير : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم وقال أيضا :
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم
أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله ، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه . الثالث : أن المراد به السعي على الأقدام . وذلك فضل وليس بشرط . ففي البخاري : أن أبا عبس بن جبر - واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار . ويحتمل ظاهره . رابعا : وهو الجري والاشتداد . قال ابن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون . وقرأها عمر : " فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر . وقرأ ابن مسعود كذلك وقال : لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . وقرأ ابن شهاب : " فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل " . وهو كله تفسير منهم ; لا قراءة قرآن منزل . وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير . قال أبو بكر الأنباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود ، وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها : فاسعوا إلى ذكر الله فقال لي عمر : من أقرأك هذا ؟ قلت : أبي . فقال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ . ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله " . حدثنا إدريس قال : حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة ; فذكره . وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله " . وأخبرنا إدريس قال : حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال : لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على فاسعوا برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم . فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه " فامضوا " لأن السند غير متصل ; إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا ، وإنما ورد " فامضوا " عن عمر رضي الله عنه . فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه . والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي ; غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش . قال زهير :
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم
أراد بالسعي المضي بجد وانكماش ، ولم يقصد للعدو والإسراع في الخطو . وقال الفراء وأبو عبيدة : معنى السعي في الآية المضي . واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ; معناه هو يمضي بجد واجتهاد . واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر :
أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساعي
فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ; ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته .
قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد هاهنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها وعليكم السكينة " . قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ; ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك . وهذا حسن ، فإنه جمع الأقوال الثلاثة . وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث .
السادسة : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " خطاب للمكلفين بإجماع . ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل ، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة . روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك ، فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد " خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها ; مثل المرض الحابس ، أو خوف الزيادة في المرض ، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق . والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع . ولم يره مالك عذرا له ; حكاه المهدوي . ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة . وقد فعل ذلك ابن عمر . ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد ، ولا يجزيه أن يصلي قبله . وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله .
السابعة : قوله تعالى : إذا نودي للصلاة يختص بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء ، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب . واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي ، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس : تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال . وقال ربيعة : أربعة أميال . وقال مالك والليث : ثلاثة أميال . وقال الشافعي : اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا ، والأصوات هادئة ، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد . وفي الصحيح عن عائشة : أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو اغتسلتم ليومكم هذا " . قال علماؤنا : والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال . والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : تجب الجمعة على من سمع النداء . وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الجمعة على من سمع النداء " . وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجب على من في المصر ، سمع النداء أو لم يسمعه ، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء . حتى سئل : وهل تجب الجمعة على أهل زبارة - بينها وبين الكوفة مجرى نهر - ؟ فقال : لا . وروي عن ربيعة أيضا : أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة . وقد روي عن الزهري : أنها تجب عليه إذا سمع الأذان .
الثامنة : قوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء ، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما " قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه . وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس . وقد روي عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلى قبل الزوال . وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل . وبحديث ابن عمر : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . ومثله عن سهل . خرجه مسلم . وحديث سلمة محمول على التبكير . رواه هشام بن عبد الملك عن يعلى بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه . وروى وكيع عن يعلى عن إياس عن أبيه قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء . وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف ، وقياسا على صلاة الظهر . وحديث ابن عمر وسهل ، دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها ، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة . وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير . وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة . . . " الحديث بكماله - أنه كان في ساعة واحدة . وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه . ابن العربي : وهو أصح ; لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها .
التاسعة : فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ; ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ; ونقل عن بعض الشافعية . ونقل عن مالك من لم يحقق أنها سنة . وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ; لقول الله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " . وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها . وفي سنن ابن ماجه عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " . إسناده صحيح . وحديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه " . ابن العربي : وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم " .
العاشرة : أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط . وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات ; لقوله عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " . وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فرض . ابن العربي : وهذا باطل ; لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت . ومن اغتسل فالغسل أفضل " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام . ومن مس الحصى فقد لغا " وهذا نص . وفي الموطأ : أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب . . . - الحديث ، إلى أن قال : - ما زدت على أن توضأت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل . فأمر عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع ، فدل على أنه محمول على الاستحباب . فلم يمكن وقد تلبس بالفرض - وهو الحضور والإنصات للخطبة - أن يرجع عنه إلى السنة ، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر ، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
الحادية عشرة : لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد ، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال : إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة ; لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها . وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة . وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه . والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام . وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة : ب سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .
الثانية عشرة : قوله تعالى : إلى ذكر الله أي الصلاة . وقيل الخطبة والمواعظ ; قاله سعيد بن جبير . ابن العربي : والصحيح أنه واجب في الجميع ; وأوله الخطبة . وبه قال علماؤنا ; إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة . والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته ; لأن المستحب لا يحرم المباح . وإذا قلنا : إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة . والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله . الزمخشري : فإن قلت : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك ؟ ! قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله . فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ، وهم أحقاء بعكس ذلك ; فهو من ذكر الشيطان ، وهو من ذكر الله على مراحل .
الثالثة عشرة : قوله تعالى : وذروا البيع منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة ، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها . والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما ، كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم . وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق . ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء . وفي وقت التحريم قولان : إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها ، قاله الضحاك والحسن وعطاء . الثاني : من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة ، قاله الشافعي . ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة ، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت . ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره ، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع . قالوا : وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ . ابن العربي : والصحيح فسخ الجميع ، لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به . فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا . المهدوي : ورأى بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا ، وتأول النهي عنه ندبا ، واستدل بقوله تعالى : ذلكم خير لكم .
قلت : وهذا مذهب الشافعي ; فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ . وقال الزمخشري في تفسيره : إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع . قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب ; فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب . وعن بعض الناس أنه فاسد .
قلت : والصحيح فساده وفسخه ; لقوله عليه الصلاة والسلام : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " . أي مردود . والله أعلم .
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من حين ينادى لها والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال، لا العدو الذي قد نهي عنه عند المضي إلى الصلاة، وقوله: { وَذَرُوا الْبَيْعَ } أي: اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها.
فإن { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ } من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض.
{ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، فقد خسر الخسارة الحقيقية، من حيث ظن أنه يربح، وهذا الأمر بترك البيع مؤقت مدة الصلاة.
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٠١
نسخ
مشاركة
التفسير
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٠١
وقوله : ( فإذا قضيت الصلاة ) أي : فرغ منها ، ( فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع ، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله . كما كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ، فقال : اللهم إني أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك ، وأنت خير الرازقين . رواه ابن أبي حاتم .
وروي عن بعض السلف أنه قال : من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة ، بارك الله له سبعين مرة ، لقول الله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله )
وقوله : ( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) أي : حال بيعكم وشرائكم ، وأخذكم ، وعطائكم اذكروا الله ذكرا كثيرا ، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة ; ولهذا جاء في الحديث : " من دخل سوقا من الأسواق فقال : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير كتبت له ألف ألف حسنة ، ومحي عنه ألف ألف سيئة "
وقال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا ، حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا .
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٠١
قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحة ; كقوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا . يقول : إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم .
" وابتغوا من فضل الله " أي من رزقه . وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين . وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى : وابتغوا من فضل الله إنه العمل في يوم السبب . وعن الحسن بن سعيد بن المسيب : طلب العمل . وقيل : التطوع . وعن ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا ; إنما هو عيادة المرضى ، وحضور الجنائز ، وزيارة الأخ في الله تعالى .
قوله تعالى : واذكروا الله كثيرا أي بالطاعة واللسان ، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض .
لعلكم تفلحون كي تفلحوا . قال سعيد بن جبير : الذكر طاعة الله تعالى ، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح . وقد مضى هذا مرفوعا في " البقرة " .
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٠١
{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح.
وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١
يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ ، فقال تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) أي : على المنبر تخطب . هكذا ذكره غير واحد من التابعين ، منهم : أبو العالية ، والحسن ، وزيد بن أسلم ، وقتادة .
وزعم مقاتل بن حيان : أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم ، وكان معها طبل ، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما على المنبر إلا القليل منهم . وقد صح بذلك الخبر ، فقال الإمام أحمد :
حدثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : قدمت عير المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها )
أخرجاه في الصحيحين ، من حديث سالم به
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زكريا بن يحيى ، حدثنا هشيم ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، وأبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادي نارا " ونزلت هذه الآية : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) وقال : كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبو بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما .
وفي قوله : ( وتركوك قائما ) دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما . وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال : كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ويذكر الناس .
ولكن ها هنا شيء ينبغي أن يعلم وهو : أن هذه القصة قد قيل : إنها كانت لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة ، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل : حدثنا محمود بن خالد ، عن الوليد ، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى إذا كان يوم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة يعني : فانفضوا ، ولم يبق معه إلا نفر يسير .
وقوله : ( قل ما عند الله ) أي : الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ( خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) أي : لمن توكل عليه ، وطلب الرزق في وقته .
وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١
قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين .
فيه سبع عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا - في رواية : أنا فيهم - فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . في رواية : فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . وقد ذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر ، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره ، فنزل عند أحجار الزيت ، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه ; فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا . وقيل : أحد عشر رجلا . قال الكلبي : وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها ، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال ; حكاه الثعلبي عن ابن عباس ، وذكر الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع ; فالتفتوا إليها وانفضوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم . قال : وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . قال الدارقطني : لم يقل في هذا الإسناد " إلا أربعين رجلا " غير علي بن عاصم عن حصين ، وخالفه أصحاب حصين فقالوا : لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا . وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " ; ذكره الزمخشري . وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا ، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد . وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد وبلال ، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين . وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر .
قلت : لم يذكر جابرا ; وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم ; والدارقطني أيضا . فيكونون ثلاثة عشر . وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر . وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة ، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا ; فقال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الوليد ، قال : أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف ; فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ; فأنزل الله عز وجل : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة . وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ; فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده . فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج ; فأنزل الله تعالى : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا الآية . قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا . وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات ; كل مرة عير تقدم من الشام ، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة . وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر - لهو لا فائدة فيه ; إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه ، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته ، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل . وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه " . الحديث . وقد مضى في سورة " الأنفال " فلله الحمد . وقال جابر بن عبد الله : كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها ; فنزلت . وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم . وقرأ طلحة بن مصرف " وإذا رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها " . وقيل : المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته . كما قال :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
وقيل : الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين .
الثانية : واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال ; فقال الحسن : تنعقد الجمعة باثنين . وقال الليث وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة : بأربعة . وقال ربيعة : باثني عشر رجلا . وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال : حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق ، حدثنا صبح بن دينار قال : حدثنا المعافى بن عمران حدثنا معقل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة ، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ، ذبح لهم يومئذ شاة . وقال الشافعي : بأربعين رجلا . وقال أبو إسحاق الشيرازي في ( كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي ) : كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين ، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة ، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة . ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط . وقال مالك : إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد . وكتب عمر بن عبد العزيز : أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة . وقال أبو حنيفة : لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى ، لا يجوز لهم إقامتها فيها . واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها : المصر الجامع ، والسلطان القاهر ، والسوق القائمة ، والنهر الجاري . واحتج بحديث علي : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم . وهذا يرده حديث ابن عباس ، قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي . وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني . وفي سنن ابن ماجه والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره ، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان ، صلى على أبي أمامة واستغفر له - قال - فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك ; فقلت له : يا أبة ، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ، ما هو ؟ قال : أي بني ، هو أول من جمع بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات ; قال : قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلا . وقال جابر بن عبد الله : مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما ، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا ، وذلك أنهم جماعة . خرجه الدارقطني . وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد : قرئ على عبد الملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع : حدثني رجاء بن سلمة قال : حدثنا أبي قال : حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال : قلت لأبي هريرة : على كم تجب الجمعة من رجل ؟ قال : لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال : حدثنا رجاء بن سلمة قال : حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك " . قال ابن المنذر : وكتب عمر بن عبد العزيز : أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة . وروى الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة " . يعني بالقرى : المدائن . لا يصح هذا عن الزهري . في رواية : " الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم " . الزهري : لا يصح سماعه من الدوسية . والحكم هذا متروك .
الثالثة : وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره . وقال أبو حنيفة : من شرطها الإمام أو خليفته . ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن مسعود بالناس من غير إذنه . وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه . وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان . وقال مالك : إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها ; وليها وال أو لم يلها .
الرابعة : قال علماؤنا : من شرط أدائها المسجد المسقف . قال ابن العربي : ولا أعلم وجهه . قلت : وجهه قوله تعالى : وطهر بيتي للطائفين ، وقوله : في بيوت أذن الله أن ترفع . وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف . هذا العرف ، والله أعلم .
الخامسة : قوله تعالى : وتركوك قائما شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب . قال علقمة : سئل عبد الله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا ؟ فقال : أما تقرأ " وتركوك قائما " . وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال : انظروا إلى هذا الخبيث ، يخطب قاعدا ! وقال الله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب ; فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ; فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة . وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء . وقال أبو حنيفة : ليس القيام بشرط فيها . ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية . وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا . وقيل : إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته . رواه جابر بن سمرة . ورواه ابن عمر في كتاب البخاري .
السادسة : والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها ; وهو قول جمهور العلماء . وقال الحسن : هي مستحبة . وكذا قال ابن الماجشون : إنها سنة وليست بفرض . وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر ; فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر . والدليل على وجوبها قوله تعالى : وتركوك قائما . وهذا ذم ، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة .
السابعة : ويخطب متوكئا على قوس أو عصا . وفي سنن ابن ماجه قال : حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال : حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس ، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا .
الثامنة : ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره . ولم يره مالك . وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم .
التاسعة : فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك ; ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا . وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة ; فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم . وهو قول أبي حنيفة .
العاشرة : وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القرآن . ويجب في الثانية أربع كالأولى ; إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء ; قاله أكثر الفقهاء . وقال أبو حنيفة : لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزأه . وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله ، وارتج عليه فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وستأتيكم الخطب ; ثم نزل فصلى . وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد . وقال أبو يوسف ومحمد : الواجب ما تناوله اسم خطبة . وهو قول الشافعي . قال أبو عمر بن عبد البر : وهو أصح ما قيل في ذلك .
الحادية عشرة : في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر " ونادوا يا مالك " . وفيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت : ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة . وقد مضى في أول " ق " . وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال : كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . ونشهد أن لا إله إلا الله ; وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة . من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى . نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه ، فإنما نحن به وله " . وعنه قال : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب : " كل ما هو آت قريب ، ولا بعد لما هو آت ، لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يخف لأمر الناس ، ما شاء الله لا ما شاء الناس . يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا ، ما شاء الله كان ولو كره الناس . ولا مبعد لما قرب الله ، ولا مقرب لما بعد الله . لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز " . وقال جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه : " أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم . إن العبد المؤمن بين مخافتين ؛ بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه ، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه . فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الممات . والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " . وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة .
الثانية عشرة : السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة . والسنة أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع ، وهما إن شاء الله في الأجر سواء . ومن تكلم حينئذ لغا ; ولا تفسد صلاته بذلك . وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " . الزمخشري : وإذا قال المنصت لصاحبه : صه ; فقد لغا ، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا ؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام .
الثالثة عشرة : ويستقبل الناس الإمام إذا صعد المنبر ; لما رواه أبو داود مرسلا عن أبان بن عبد الله قال : كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة ; فلما خرج الإمام - أو قال صعد المنبر - استقبله وقال : هكذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه ; فزاد في الإسناد : عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم . قال ابن ماجه : أرجو أن يكون متصلا .
قلت : وخرج أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا محمد بن معمر قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا عباد بن يعقوب قال : حدثنا محمد بن الفضل الخراساني عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا . تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور .
الرابعة عشرة : ولا يركع من دخل المسجد والإمام يخطب ; عند مالك رحمه الله . وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره . وفي الموطأ عنه : فخروج الإمام يقطع الصلاة ، وكلامه يقطع الكلام . وهذا مرسل . وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " . وهذا نص في الركوع . وبه يقول الشافعي وغيره .
الخامسة عشرة : ذكر ابن عون عن ابن سيرين قال : كانوا يكرهون النوم والإمام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا . قال ابن عون : ثم لقيني بعد ذلك فقال : تدري ما يقولون ؟ قال : يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا ; ثم قال : هل تدري ما أخفقوا ؟ لم تغنم شيئا . وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده " .
السادسة عشرة : نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره . روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال : " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها . وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " . وروي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم ; فلما خرج قلنا : احتبست ! قال : " ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء ، فقلت : ما هذه يا جبريل ؟ قال : هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك ، وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها . قلت : يا جبريل ما هذه النكتة السوداء ؟ قال : هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، أو ادخر له مثله يوم القيامة ، أو صرف عنه من السوء مثله ، وإنه خير الأيام عند الله ، وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد " . وذكر الحديث . وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا : حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال : تسارعوا إلى الجمعة ، فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في القرب - قال ابن المبارك - على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا . وقال يحيى بن سلام : كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا . وزاد : فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك . قال يحيى : وسمعت غير المسعودي يزيد فيه : وهو قوله تعالى : ولدينا مزيد .
قلت : قوله : " في كثيب " يريد أهل الجنة . أي وهم على كثيب ; كما روى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه ، وفيه نهر جار حافتاه المسك ، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون ، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ، ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم ، فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة " ذكره يحيى بن سلام . وعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة ، كل مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم : اللهم اغفر لمن شهد الجمعة ، اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة " ذكره الثعلبي . وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها ، ألوانهم كالثلج بياضا ، وريحهم يسطع كالمسك ، يخوضون في جبال الكافور ، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون " . وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال " الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر " خرجه مسلم بمعناه . وعن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من غسل يوم الجمعة واغتسل ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة ، أجر صيامها وقيامها " . وعن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا . وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا . وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا . واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي ، وله إمام عادل أو جائر ، استخفافا بها ، أو جحودا لها ، فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره . ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له . ألا ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله عليه . ألا لا تؤمن امرأة رجلا ، ولا يؤم أعرابي مهاجرا ، ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه " . وقال ميمون بن أبي شيبة : أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب ، ثم قلت : أين أذهب أصلي خلف هذا الفاجر ؟ فقلت مرة : أذهب ، ومرة لا أذهب ، ثم أجمع رأيي على الذهاب ، فناداني مناد من جانب البيت يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع . .
السابعة عشرة : قوله تعالى قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة فيه وجهان : أحدهما : ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم .
الثاني : ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم . وقرأ أبو رجاء العطاردي : " قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين آمنوا " .
والله خير الرازقين أي خير من رزق وأعطى ; فمنه فاطلبوا ، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة .
وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١
{ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا } أي: خرجوا من المسجد، حرصًا على ذلك اللهو، و [تلك] التجارة، وتركوا الخير، { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } تخطب الناس، وذلك [في] يوم جمعة، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، إذ قدم المدينة، عير تحمل تجارة، فلما سمع الناس بها، وهم في المسجد، انفضوا من المسجد، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب استعجالًا لما لا ينبغي أن يستعجل له، وترك أدب، { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ } من الأجر والثواب، لمن لازم الخير وصبر نفسه على عبادة الله.
{ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } التي، وإن حصل منها بعض المقاصد، فإن ذلك قليل منغص، مفوت لخير الآخرة، وليس الصبر على طاعة الله مفوتًا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب.
وفي هذه الآيات فوائد عديدة:
منها: أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها، والمبادرة والاهتمام بشأنها.
ومنها: أن الخطبتين يوم الجمعة، فريضتان يجب حضورهما، لأنه فسر الذكر هنا بالخطبتين، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له.
ومنها: مشروعية النداء ليوم الجمعة، والأمر به.
ومنها: النهى عن البيع والشراء، بعد نداء الجمعة، وتحريم ذلك، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه، فدل ذلك على أن كل أمر ولو كان مباحًا في الأصل، إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك الحال.
ومنها: الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة، وذم من لم يحضرهما، ومن لازم ذلك الإنصات لهما.
ومنها: أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله، وقت دواعي النفس لحضور اللهو [والتجارات] والشهوات، أن يذكرها بما عند الله من الخيرات، وما لمؤثر رضاه على هواه.
تم تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والثناء
صَدَق الْلَّه الْعَظِيْم