بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١
نسخ
مشاركة
التفسير
سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١
تفسير سورة سبح وهي مكية .
والدليل على ذلك ما رواه البخاري : حدثنا عبدان : أخبرني أبي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : أول من قدم علينا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرئاننا القرآن . ثم جاء عمار وبلال وسعد . ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين . ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به ، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون : هذا رسول الله قد جاء ، فما جاء حتى قرأت : " سبح اسم ربك الأعلى " في سور مثلها .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن ثوير بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن علي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب هذه السورة : " سبح اسم ربك الأعلى " . تفرد به أحمد .
وثبت في الصحيحين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ : " هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، عن حبيب بن سالم ، عن أبيه ، عن النعمان بن بشير : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في العيدين ب " سبح اسم ربك الأعلى " و " هل أتاك حديث الغاشية " وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا .
هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث . وقد رواه مسلم - في صحيحه - وأبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة ، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، عن حبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير ، به قال الترمذي : " وكذا رواه الثوري ومسعر ، عن إبراهيم - قال : ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم - عن أبيه ، عن حبيب بن سالم ، عن أبيه ، عن النعمان . ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه " .
وقد رواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن المنتشر ، عن أبيه عن حبيب بن سالم ، عن النعمان به كما رواه الجماعة ، والله أعلم .
ولفظ مسلم وأهل السنن : كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب " سبح اسم ربك الأعلى " و " هل أتاك حديث الغاشية " وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما .
وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الرحمن بن أبزى ، وعائشة أم المؤمنين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الوتر ب " سبح اسم ربك الأعلى " و " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " زادت عائشة : والمعوذتين .
وهكذا روي هذا الحديث - من طريق - جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان ، وعبد الله بن مسعود ، وعمران بن حصين ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر من أسانيد ذلك ومتونه ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية ، والله أعلم .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا موسى - يعني ابن أيوب الغافقي - حدثنا عمي إياس بن عامر ، سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت : ( فسبح باسم ربك العظيم ) [ الواقعة : 74 ، 96 ] قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في ركوعكم " . فلما نزلت : ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : " اجعلوها في سجودكم " .
ورواه أبو داود وابن ماجه ، من حديث ابن المبارك ، عن موسى بن أيوب ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : " سبحان ربي الأعلى " .
وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب ، عن وكيع ، به وقال : " خولف فيه وكيع ، رواه أبو وكيع وشعبة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، موقوفا " .
وقال الثوري ، عن السدي ، عن عبد خير قال : سمعت عليا قرأ ( سبح اسم ربك الأعلى ) فقال : سبحان ربي الأعلى .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام عن عنبسة ، عن أبي إسحاق الهمداني : أن ابن عباس كان إذا قرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ) يقول : سبحان ربي الأعلى ، وإذا قرأ : ( لا أقسم بيوم القيامة ) [ القيامة : 1 ] فأتى على آخرها : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) [ القيامة : 40 ] يقول : سبحانك وبلى .
وقال قتادة : ( سبح اسم ربك الأعلى ) ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأها ، قال : " سبحان ربي الأعلى " .
سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١
سورة الأعلى
مكية في قول الجمهور .
وقال الضحاك : مدنية . وهي تسع عشرة آية .
بسم الله الرحمن الرحيم
سبح اسم ربك الأعلى يستحب للقارئ إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى أن يقول عقبه : سبحان ربي الأعلى ; قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاله جماعة من الصحابة والتابعين على ما يأتي .
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : " إن لله تعالى ملكا يقال له حزقائيل ، له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام ، فخطر له خاطر هل تقدر أن تبصر العرش جميعه ؟ فزاده الله أجنحة مثلها ، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام . ثم أوحى الله إليه : أيها الملك ، أن طر ، فطار مقدار عشرين ألف سنة فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش . ثم ضاعف الله له في الأجنحة والقوة ، وأمره أن يطير ، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى ، فلم يصل أيضا فأوحى الله إليه أيها الملك ، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي . فقال الملك : سبحان ربي الأعلى " فأنزل الله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في سجودكم " . ذكره الثعلبي في ( كتاب العرائس ) له . وقال ابن عباس والسدي : معنى سبح اسم ربك الأعلى أي عظم ربك الأعلى . والاسم صلة ، قصد بها تعظيم المسمى كما قال لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما [ ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ]
وقيل : نزه ربك عن السوء ، وعما يقول فيه الملحدون . وذكر الطبري أن المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه . وقيل : نزه تسمية ربك وذكرك إياه ، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم ، ولذكره محترم . وجعلوا الاسم بمعنى التسمية ، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى .
روى نافع عن ابن عمر قال : لا تقل علا اسم الله فإن اسم الله هو الأعلى . وروى أبو صالح عن ابن عباس : صل بأمر ربك الأعلى . قال : وهو أن تقول سبحان ربي الأعلى . وروي عن علي - رضي الله عنه - وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي موسى وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا : سبحان ربي الأعلى امتثالا لأمره في ابتدائها . فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن كما قاله بعض أهل الزيغ . وقيل : إنها في قراءة أبي : سبحان ربي الأعلى . وكان ابن عمر يقرؤها كذلك . وفي الحديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأها قال : " سبحان ربي الأعلى " .
قال أبو بكر الأنباري : حدثني محمد بن شهريار ، قال : حدثنا حسين بن الأسود ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال : حدثنا عيسى بن عمر ، عن أبيه ، قال : قرأ علي بن أبي طالب - عليه السلام - في الصلاة سبح اسم ربك الأعلى ، ثم قال : سبحان ربي الأعلى فلما انقضت الصلاة قيل له : يا أمير المؤمنين ، أتزيد هذا في القرآن ؟ قال : ما هو ؟ قالوا : سبحان ربي الأعلى . قال : لا ، إنما أمرنا بشيء فقلته ، وعن عقبة بن عامر الجهني قال : لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في سجودكم " . وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى ; لأنهم لم يقولوا : سبحان اسم ربك الأعلى . وقيل : إن أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل - عليه السلام - . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : " يا جبريل أخبرني بثواب من قال : سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته " . فقال : " يا محمد ، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده ، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا ، ويقول الله تعالى : صدق عبدي ، أنا فوق كل شيء ، وليس فوقي شيء ، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له ، وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم ، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه ، فأوقفه بين يدي الله تعالى ، فيقول : يا رب شفعني فيه ، فيقول قد شفعتك فيه ، فاذهب به إلى الجنة " . وقال الحسن : سبح اسم ربك الأعلى أي صل لربك الأعلى . وقل : أي صل بأسماء الله ، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية . وقيل : ارفع صوتك بذكر ربك . قال جرير :
قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا تكبيرا
سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١
يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم .
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢
نسخ
مشاركة
التفسير
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢
أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢
قوله تعالى : الذي خلق فسوى قد تقدم معنى التسوية في ( الانفطار ) وغيرها . أي سوى ما خلق ، فلم يكن في خلقه تثبيج . وقال الزجاج : أي عدل قامته . وعن ابن عباس : حسن ما خلق . وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه . وقيل : خلق في أصلاب الآباء ، وسوى في أرحام الأمهات . وقيل : خلق الأجساد ، فسوى الأفهام . وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف .
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢
وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها.
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣
وقوله : ( والذي قدر فهدى ) قال مجاهد : هدى الإنسان للشقاوة والسعادة ، وهدى الأنعام لمراتعها .
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون : ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [ طه : 5 ] أي : قدر قدرا ، وهدى الخلائق إليه ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء " .
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣
والذي قدر فهدى قرأ علي - رضي الله عنه - والسلمي والكسائي ( قدر ) مخففة الدال ، وشدد الباقون . وهما بمعنى واحد . أي قدر ووفق لكل شكل شكله . فهدى أي أرشد . قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة ، وهدى للرشد والضلالة . وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة ، وهدى الأنعام لمراعيها . وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم ، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا ، ولمراعيهم إن كانوا وحشا . وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله فهدى قالوا : عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى كما قال في ( طه ) : الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي الذكر للأنثى . وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها ، وهداها له . وقيل : خلق المنافع في الأشياء ، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها . وقيل قدر فهدى : قدر لكل حيوان ما يصلحه ، فهداه ، وعرفه وجه الانتفاع به . يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت ، وقد ألهمها الله أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها ، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها ، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله تعالى . وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه ، وما لا يحصر من حوائجه ، في أغذيته وأدويته ، وفي أبواب دنياه ودينه ، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع ، وشوط بطين ، لا يحيط به وصف واصف فسبحان ربي الأعلى . وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر ، وأقل وأكثر ، ثم هداه للخروج من الرحم . وقال الفراء : أي قدر ، فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر . ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان كقوله تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . أي لتدعو ، وقد دعا الكل إلى الإيمان . وقيل : فهدى أي دلهم بأفعاله على توحيده ، وكونه عالما قادرا . ولا خلاف أن من شدد الدال من قدر أنه من التقدير كقوله تعالى : وخلق كل شيء فقدره تقديرا . ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى . ويحتمل أن يكون من القدر والملك أي ملك الأشياء ، وهدى من يشاء .
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى . هو تفسير العلو الذي يليق بجلال الله سبحانه على جميع مخلوقاته .
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣
{ وَالَّذِي قَدَّرَ } تقديرًا، تتبعه جميع المقدرات { فَهَدَى } إلى ذلك جميع المخلوقات.
وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤
أي من جميع صنوف النباتات والزروع.
وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤
قوله تعالى : والذي أخرج المرعى أي النبات والكلأ الأخضر . قال الشاعر [ زفر بن الحارث ] :
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا
وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤
وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } أي: أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها الناس والبهائم وكل حيوان ، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى نباته، وصوح عشبه.
فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥
نسخ
مشاركة
التفسير
فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥
( فجعله غثاء أحوى ) قال ابن عباس : هشيما متغيرا . وعن مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد ، نحوه .
قال ابن جرير : وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم ، وأن معنى الكلام : والذي أخرج المرعى أحوى ، أي : أخضر إلى السواد ، فجعله غثاء بعد ذلك . ثم قال ابن جرير : وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب ; لمخالفته أقوال أهل التأويل .
فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥
فجعله غثاء أحوى الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش . وكذلك الغثاء ( بالتشديد ) . والجمع : الأغثاء ، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس . ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم . وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء كما قال :
كأن طمية المجيمر غدوة من السيل والأغثاء فلكة مغزل وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفأ . وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به . والأحوى : الأسود أي إن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود . والحوة : السواد قال الأعشى :
لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثاث وفي أنيابها شنب وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة . يقال : رجل أحوى ، وامرأة حواء ، وقد حويت . وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة . وتصغير أحوى أحيو في لغة من قال أسيود . ثم قيل : يجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى ، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد والتقدير : أخرج المرعى أحوى ، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت حكاه الكسائي ، وقال :
وغيث من الوسمي حو تلاعه تبطنته بشيظم صلتان ويجوز أن يكون أحوى صفة ل غثاء . والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته . وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه والرطب إذا يبس اسود . وقال عبد الرحمن بن زيد : أخرج المرعى أخضر ، ثم لما يبس اسود من احتراقه ، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول . وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار ، لذهاب الدنيا بعد نضارتها .
فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥
{ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } أي: أسود أي: جعله هشيمًا رميمًا، ويذكر فيها نعمه الدينية.
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
نسخ
مشاركة
التفسير
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
وقوله : ( سنقرئك ) أي : يا محمد ( فلا تنسى ) وهذا إخبار من الله ، - عز وجل - ووعد منه له ، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ، ( إلا ما شاء الله ) وهذا اختيار ابن جرير .
وقال قتادة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله .
وقيل : المراد بقوله : ( فلا تنسى ) طلب ،
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
قوله تعالى : سنقرئك أي القرآن يا محمد فنعلمكه ، فلا تنسى أي فتحفظ رواه ابن وهب عن مالك . وهذه بشرى من الله تعالى بشره بأن أعطاه آية بينة ، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي ، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ ، فيحفظه ولا ينساه . وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : كان يتذكر مخافة أن ينسى ، فقيل : كفيتكه . قال مجاهد والكلبي : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه جبريل بالوحي ، لم يفرغ جبريل من آخر الآية ، حتى يتكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأولها ، مخافة أن ينساها فنزلت : سنقرئك فلا تنسى بعد ذلك شيئا ، فقد كفيتكه .
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
{ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى } أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئًا، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه علمًا لا ينساه.
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
نسخ
مشاركة
التفسير
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ ، أي : لا تنسى ما نقرئك إلا ما شاء الله رفعه ; فلا عليك أن تتركه .
وقوله : ( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) أي : يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم ، لا يخفى عليه من ذلك شيء .
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
ووجه الاستثناء على هذا ، ما قاله الفراء : إلا ما شاء الله ، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا كقوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك . ولا يشاء . ويقال في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية على ألا يمنعه شيئا . فعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف التمام . وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس : فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات ، إلا ما شاء الله . وعن سعيد عن قتادة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله . وعلى هذه الأقوال قيل : إلا ما شاء الله أن ينسى ، ولكنه لم ينس شيئا منه بعد نزول هذه الآية . وقيل : إلا ما شاء الله أن ينسى ، ثم يذكر بعد ذلك فإذا قد نسي ، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا . وقد روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال : " إني نسيتها " . وقيل : هو من النسيان أي إلا ما شاء الله أن ينسيك . ثم قيل : هذا بمعنى النسخ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه . والاستثناء نوع من النسخ . وقيل : النسيان بمعنى الترك أي يعصمك من أن تترك العمل به إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه إياه . فهذا في نسخ العمل ، والأول في نسخ القراءة . قال الفرغاني : كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم ، وكان يغشاه ابن كيسان النحوي ، وكان رجلا جليلا فقال يوما : ما تقول يا أبا القاسم في قول الله تعالى : سنقرئك فلا تنسى ؟ فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به . فقال ابن كيسان : لا يفضض الله فاك مثلك من يصدر عن رأيه . وقوله فلا : للنفي لا للنهي . وقيل : للنهي وإنما أثبتت الياء ; لأن رءوس الآي على ذلك . والمعنى : لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة . والأول هو المختار ; لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتا معلوما . وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف ، وعليها القراء . وقيل : معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله . وقيل : المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن ينال بنو آدم والبهائم ، فإنه لا يصير كذلك .
قوله تعالى : إنه يعلم الجهر أي الإعلان من القول والعمل . وما يخفى من السر . وعن ابن عباس : ما في قلبك ونفسك . وقال محمد بن حاتم : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها . وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك . وما يخفى هو ما نسخ من صدرك .
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
{ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، { إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } ومن ذلك أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد .
وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨
نسخ
مشاركة
التفسير
وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨
أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨
ونيسرك : معطوف على سنقرئك وقوله : إنه يعلم الجهر وما يخفى اعتراض . ومعنى لليسرى أي للطريقة اليسرى وهي عمل الخير . قال ابن عباس : نيسرك لأن تعمل خيرا . ابن مسعود : لليسرى أي للجنة . وقيل : نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة السهلة قال معناه الضحاك . وقيل : أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به .
وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨
{ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } وهذه أيضًا بشارة كبيرة ، أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا .
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
نسخ
مشاركة
التفسير
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
وقوله : ( فذكر إن نفعت الذكرى ) أي : ذكر حيث تنفع التذكرة . ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم ، فلا يضعه عند غير أهله ، كما قال أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم . وقال : حدث الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟!
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
قوله تعالى : فذكر أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن . إن نفعت الذكرى أي الموعظة . وروى يونس عن الحسن قال : تذكرة للمؤمن ، وحجة على الكافر . وكان ابن عباس يقول : تنفع أوليائي ، ولا تنفع أعدائي . وقال الجرجاني : التذكير واجب وإن لم ينفع . والمعنى : فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع ، فحذف كما قال : سرابيل تقيكم الحر . وقيل : إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم . وقيل : إن إن بمعنى ما أي فذكر ما نفعت الذكرى ، فتكون إن بمعنى ما ، لا بمعنى الشرط ; لأن الذكرى نافعة بكل حال قال ابن شجرة . وذكر بعض أهل العربية أن إن بمعنى إذ أي إذ نفعت كقوله تعالى : وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين أي إذ كنتم فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم . وقيل : بمعنى قد .
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
{ فَذَكِّرْ } بشرع الله وآياته { إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى } أي: ما دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه.
ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورًا بها، بل منهيًا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين.
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ٠١
نسخ
مشاركة
التفسير
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ٠١
أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه.
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ٠١
قوله تعالى : سيذكر من يخشى أي من يتقي الله ويخافه . فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : نزلت في ابن أم مكتوم . الماوردي : وقد يذكر من يرجوه ، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء ، وإن تعلقت بالخشية والرجاء . وقيل : أي عمم أنت التذكير والوعظ ، وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى ، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء حكاه القشيري .
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ٠١
فأما المنتفعون، فقد ذكرهم بقوله: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } الله تعالى، فإن خشية الله تعالى، وعلمه بأن سيجازيه على أعماله ، توجب للعبد الانكفاف عن المعاصي والسعي في الخيرات.
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
قوله تعالى : ويتجنبها أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها . الأشقى أي الشقي في علم الله . وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة .
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
وأما غير المنتفعين، فذكرهم بقوله: { وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } وهي النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة.
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢١
نسخ
مشاركة
التفسير
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢١
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢١
أي العظمى , وهي السفلى من أطباق النار قاله الفراء .
وعن الحسن : الكبرى نار جهنم , والصغرى نار الدنيا وقاله يحيى بن سلام .
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢١
وأما غير المنتفعين، فذكرهم بقوله: { وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } وهي النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة.
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٣١
نسخ
مشاركة
التفسير
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٣١
أي لا يموت فيستريح ولا يحيي حياة تنفعه بل هي مضرة عليه لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان - يعني التيمي - عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون ، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم - أو قال : ينبتون - في نهر الحياء - أو قال : الحياة - أو قال : الحيوان - أو قال : نهر الجنة فينبتون - نبات الحبة في حميل السيل " . قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما ترون الشجرة تكون خضراء ، ثم تكون صفراء أو قال : تكون صفراء ثم تكون خضراء ؟ " . قال : فقال بعضهم : كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بالبادية .
وقال أحمد أيضا : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما أهل النار الذين هم أهلها ، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن أناس - أو كما قال - تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - فيميتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فنبتوا على أنهار الجنة ، فيقال : يا أهل الجنة ، اقبضوا عليهم . فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " . قال : فقال رجل من القوم حينئذ : كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بالبادية .
ورواه مسلم في حديث بشر بن المفضل وشعبة ، كلاهما عن أبي مسلمة سعيد بن زيد ، به مثله ورواه أحمد أيضا عن يزيد ، عن سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة ، حتى يصيروا فحما ، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة ، أو : يرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " .
وقد قال الله إخبارا عن أهل النار : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [ الزخرف : 77 ] وقال تعالى : ( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) [ فاطر : 36 ] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى .
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٣١
ثم لا يموت فيها ولا يحيا أي لا يموت فيستريح من العذاب ، ولا يحيا حياة تنفعه كما قال الشاعر :
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي عناها ولا تحيا حياة لها طعم وقد مضى في ( النساء ) وغيرها حديث أبي سعيد الخدري ، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم - وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا إلى أن يشفع فيهم . خرجه مسلم . وقيل : أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم ، هذا الوعيد للأشقى ، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه المرتبة .
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٣١
{ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا } أي: يعذب عذابًا أليمًا، من غير راحة ولا استراحة، حتى إنهم يتمنون الموت فلا يحصل لهم، كما قال تعالى: { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } .
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ٤١
نسخ
مشاركة
التفسير
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ٤١
أي طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة وتابع ما أنزل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم.
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ٤١
قوله تعالى : قد أفلح من تزكى
فيه:
الأولى : قوله تعالى : قد أفلح أي قد صادف البقاء في الجنة أي من تطهر من الشرك بإيمان قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة . وقال الحسن والربيع : من كان عمله زاكيا ناميا . وقال معمر عن قتادة : تزكى قال بعمل صالح . وعنه وعن عطاء وأبي العالية : نزلت في صدقة الفطر . وعن ابن سيرين قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى قال : خرج فصلى بعدما أدى . وقال عكرمة : كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي . فقال سفيان : قال الله تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى . وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر : أن ذلك في صدقة الفطر ، وصلاة العيد . وكذلك قال أبو العالية ، وقال : إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ، ومن سقاية الماء . وروى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى : قد أفلح من تزكى قال : ( أخرج زكاة الفطر ) ، وذكر اسم ربه فصلى قال : ( صلاة العيد ) . وقال ابن عباس والضحاك : وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد .
وقيل : المراد بالآية زكاة الأموال كلها قال أبو الأحوص وعطاء . وروى ابن جريج قال : قلت لعطاء : قد أفلح من تزكى للفطر ؟ قال : هي للصدقات كلها . وقيل : هي زكاة الأعمال ، لا زكاة الأموال ، أي تطهر في أعماله من الرياء والتقصير ; لأن الأكثر أن يقال في المال : زكى ، لا تزكى . وروى جابر بن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " قد أفلح من تزكى أي من شهد أن لا إله إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول الله " . وعن ابن عباس تزكى قال : لا إله إلا الله . وروى عنه عطاء قال : نزلت في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال : كان بالمدينة منافق كانت له نخلة بالمدينة ، مائلة في دار رجل من الأنصار ، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصاري ، فيأكل هو وعياله ، فخاصمه المنافق فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلى المنافق وهو لا يعلم نفاقه ، فقال : " إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله ، فيأكل هو وعياله ، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها " ؟ فقال : أبيع عاجلا بآجل لا أفعل . فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته ففيه نزلت قد أفلح من تزكى . ونزلت في المنافق ويتجنبها الأشقى . وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - .
الثانية : قد ذكرنا القول في زكاة الفطر في سورة ( البقرة ) مستوفى . وقد تقدم أن هذه السورة مكية في قول الجمهور ، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . القشيري : ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر وصلاة العيد ، فيما يأمر به في المستقبل .
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ٤١
{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } أي: قد فاز وربح من طهر نفسه ونقاها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق.
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ٥١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ٥١
يقول تعالى : ( قد أفلح من تزكى ) أي : طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة ، وتابع ما أنزل الله على رسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( وذكر اسم ربه فصلى ) أي : أقام الصلاة في أوقاتها ; ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالا لشرع الله . وقد قال الحافظ أبو بكر البزار :
حدثنا عباد بن أحمد العرزمي ، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قد أفلح من تزكى ) قال : " من شهد أن لا إله إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول الله " ، ( وذكر اسم ربه فصلى ) قال : " هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها " .
ثم قال لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه .
وكذا قال ابن عباس : إن المراد بذلك الصلوات الخمس . واختاره ابن جرير .
وقال ابن جرير : حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي حدثنا مروان بن معاوية ، عن أبي خلدة قال : دخلت على أبي العالية فقال لي : إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي . قال : فمررت به فقال : هل طعمت شيئا ؟ قلت : نعم . قال : أفضت على نفسك من الماء ؟ قلت : نعم . قال : فأخبرني ما فعلت بزكاتك ؟ قلت : وكأنك قلت : قد وجهتها ؟ قال : إنما أردتك لهذا . ثم قرأ : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) وقال : إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء .
قلت : وكذلك روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر ، ويتلو هذه الآية ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )
وقال أبو الأحوص : إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة ، فليقدم بين يدي صلاته زكاته ، فإن الله يقول : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )
وقال قتادة في هذه الآية ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) زكى ماله وأرضى خالقه .
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ٥١
قوله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى أي ذكر ربه . وروى عطاء عن ابن عباس قال : يريد ذكر معاده وموقفه بين يدي الله جل ثناؤه ، فعبده وصلى له . وقيل : ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة ; لأنها لا تنعقد إلا بذكره وهو قوله : الله أكبر : وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح ، وعلى أنها ليست من الصلاة ; لأن الصلاة معطوفة عليها . وفيه حجة لمن قال : إن الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء الله - عز وجل - . وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء . وقد مضى القول في هذا في أول سورة ( البقرة ) . وقيل : هي تكبيرات العيد . قال الضحاك : وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى أي صلاة العيد . وقيل : وذكر اسم ربه وهو أن يذكره بقلبه عند صلاته ، فيخاف عقابه ، ويرجو ثوابه ليكون استيفاؤه لها ، وخشوعه فيها ، بحسب خوفه ورجائه . وقيل : هو أن يفتتح أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم . فصلى أي فصلى وذكر . ولا فرق بين أن تقول : أكرمتني فزرتني ، وبين أن تقول : زرتني فأكرمتني . قال ابن عباس : هذا في الصلاة المفروضة ، وهي الصلوات الخمس . وقيل : الدعاء أي دعاء الله بحوائج الدنيا والآخرة . وقيل : صلاة العيد قاله أبو سعيد الخدري وابن عمر وغيرهما . وقد تقدم . وقيل : هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاته قاله أبو الأحوص ، وهو مقتضى قول عطاء . وروي عن عبد الله قال : من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له .
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ٥١
{ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } أي: اتصف بذكر الله، وانصبغ به قلبه، فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله، خصوصًا الصلاة، التي هي ميزان الإيمان، فهذا معنى الآية الكريمة، وأما من فسر قوله { تزكى } بمعني أخرج زكاة الفطر، وذكر اسم ربه فصلى، أنه صلاة العيد، فإنه وإن كان داخلًا في اللفظ وبعض جزئياته، فليس هو المعنى وحده.
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٦١
نسخ
مشاركة
التفسير
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٦١
أي تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم.
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٦١
قوله تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا قراءة العامة بل تؤثرون بالتاء تصديقه قراءة أبي ( بل أنتم تؤثرون ) . وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم ( بل يؤثرون ) بالياء على الغيبة تقديره : بل يؤثرون الأشقون الحياة الدنيا . وعلى الأول فيكون تأويلها بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا ، للاستكثار من الثواب . وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية ، فقال : أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة ؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها ، ولذاتها وبهجتها ، والآخرة غيبت عنا ، فأخذنا العاجل ، وتركنا الآجل . وروى ثابت عن أنس قال : كنا مع أبي موسى في مسير ، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا . قال أبو موسى : يا أنس ، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريا ، فتعال فلنذكر ربنا ساعة . ثم قال : يا أنس ، ما ثبر الناس ما بطأ بهم ؟ قلت : الدنيا والشيطان والشهوات . قال : لا ، ولكن عجلت الدنيا ، وغيبت الآخرة ، أما والله لو عاينوها ما عدلوا ولا ميلوا .
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٦١
{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: تقدمونها على الآخرة، وتختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة.
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧١
( والآخرة خير وأبقى ) أي : ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى ، فإن الدنيا دنية فانية ، والآخرة شريفة باقية ، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ، ويهتم بما يزول عنه قريبا ، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد ؟!
قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ذويد ، عن أبي إسحاق ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له " .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا أبو حمزة ، عن عطاء ، عن عرفجة الثقفي قال : استقرأت ابن مسعود : ( سبح اسم ربك الأعلى ) فلما بلغ : ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) ترك القراءة ، وأقبل على أصحابه وقال : آثرنا الدنيا على الآخرة . فسكت القوم ، فقال : آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها ، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل .
وهذا منه على وجه التواضع والهضم ، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو ، والله أعلم .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرني عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب بن عبد الله ، عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى " . تفرد به أحمد .
وقد رواه أيضا عن أبي سلمة الخزاعي ، عن الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو ، به مثله سواء .
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧١
قوله تعالى : والآخرة خير وأبقى أي والدار الآخرة أي الجنة . خير أي أفضل . وأبقى أي أدوم من الدنيا . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع " صحيح . وقد تقدم . وقال مالك بن دينار : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى ، على ذهب يفنى . قال : فكيف والآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى .
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧١
{ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } وللآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة.
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ٨١
نسخ
مشاركة
التفسير
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ٨١
وقوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا نصر بن علي ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كان كل هذا - أو : كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى " .
ثم قال : لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس غير هذا ، وحديثا آخر أورده قبل هذا .
وقال النسائي : أخبرنا زكريا بن يحيى ، أخبرنا نصر بن علي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : كلها في صحف إبراهيم وموسى ، فلما نزلت : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] قال : وفى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) [ النجم : 38 ] .
يعني أن هذه الآية كقوله في سورة " النجم " : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى ) [ النجم : 36 - 42 ] الآيات إلى آخرهن . وهكذا قال عكرمة - فيما رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن مهران ، عن سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة - في قوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) يقول : الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى .
وقال أبو العالية : قصة هذه السورة في الصحف الأولى .
واختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( إن هذا ) إشارة إلى قوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) ثم قال : ( إن هذا ) أي : مضمون هذا الكلام ( لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) .
وهذا اختيار حسن قوي . وقد روي عن قتادة وابن زيد ، نحوه . والله أعلم .
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ٨١
قوله تعالى : إن هذا لفي الصحف الأولى قال قتادة وابن زيد : يريد قوله والآخرة خير وأبقى . وقالا : تتابعت كتب الله - جل ثناؤه - كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا . وقال الحسن : إن هذا لفي الصحف الأولى قال : كتب الله - جل ثناؤه - كلها . الكلبي : إن هذا لفي الصحف الأولى من قوله : قد أفلح إلى آخر السورة لحديث أبي ذر على ما يأتي . وروى عكرمة عن ابن عباس : إن هذا لفي الصحف الأولى قال : هذه السورة . وقال الضحاك : إن هذا القرآن لفي الصحف الأولى أي الكتب الأولى .
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ٨١
{ إِنَّ هَذَا } المذكور لكم في هذه السورة المباركة، من الأوامر الحسنة، والأخبار المستحسنة { لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى}
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ٩١
نسخ
مشاركة
التفسير
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ٩١
وقوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا نصر بن علي ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كان كل هذا - أو : كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى " .
ثم قال : لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس غير هذا ، وحديثا آخر أورده قبل هذا .
وقال النسائي : أخبرنا زكريا بن يحيى ، أخبرنا نصر بن علي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : كلها في صحف إبراهيم وموسى ، فلما نزلت : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] قال : وفى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) [ النجم : 38 ] .
يعني أن هذه الآية كقوله في سورة " النجم " : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى ) [ النجم : 36 - 42 ] الآيات إلى آخرهن . وهكذا قال عكرمة - فيما رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن مهران ، عن سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة - في قوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) يقول : الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى .
وقال أبو العالية : قصة هذه السورة في الصحف الأولى .
واختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( إن هذا ) إشارة إلى قوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) ثم قال : ( إن هذا ) أي : مضمون هذا الكلام ( لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) .
وهذا اختيار حسن قوي . وقد روي عن قتادة وابن زيد ، نحوه . والله أعلم .
آخر تفسير سورة " سبح " ولله الحمد والمنة .
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ٩١
صحف إبراهيم وموسى يعني الكتب المنزلة عليهما . ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف ، وإنما هو على المعنى أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف . وروى الآجري من حديث أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال : كانت أمثالا كلها : أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم . فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر . وكان فيها أمثال : وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، يفكر فيها في صنع الله - عز وجل - إليه ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب . وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد ، ومرمة لمعاش ، ولذة في غير محرم . وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه . ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه . قال : قلت يا رسول الله ، فما كانت صحف موسى ؟ قال : كانت عبرا كلها : عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ! وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب . وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل ! . قال : قلت يا رسول الله ، فهل في أيدينا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى ، مما أنزل الله عليك ؟ قال : " نعم اقرأ يا أبا ذر : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى " وذكر الحديث .
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ٩١
{ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } اللذين هما أشرف المرسلين، سوى النبي محمد صلى الله وسلم عليه وسلم.
فهذه أوامر في كل شريعة، لكونها عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان.
تم تفسير سورة سبح، ولله الحمد
صَدَق الْلَّه الْعَظِيْم