بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١
تفسير سورة البروج وهي مكية
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا رزيق بن أبي سلمى حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج والسماء والطارق
وقال أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا حماد بن عباد السدوسي سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يقرأ بالسماوات في العشاء تفرد به أحمد
يقسم الله بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) الفرقان : 61
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي البروج النجوم وعن مجاهد أيضا : البروج التي فيها الحرس
وقال يحيى بن رافع البروج قصور في السماء وقال المنهال بن عمرو ( والسماء ذات البروج ) الخلق الحسن
واختار ابن جرير أنها منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجا تسير الشمس في كل واحد منها شهرا ويسير القمر في كل واحد يومين وثلثا فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستسر ليلتين
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١
سورة البروج
مكية باتفاق . وهي ثنتان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والسماء ذات البروج
قسم أقسم الله به جل وعز وفي ( البروج ) أقوال أربعة : أحدها : ذات النجوم ; قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك . الثاني : القصور ، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد أيضا . قال عكرمة : هي قصور في السماء . مجاهد : البروج فيها الحرس . الثالث : ذات الخلق الحسن ; قاله المنهال بن عمرو . الرابع : ذات المنازل ; قاله أبو عبيدة ويحيى بن سلام . وهي اثنا عشر برجا ، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر . يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم ; فذلك ثمانية وعشرون يوما ، ثم يستسر ليلتين ; وتسير الشمس في كل برج منها شهرا . وهي : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس والجدي ، والدلو ، والحوت . والبروج في كلام العرب : القصور ; قال الله تعالى ; ولو كنتم في بروج مشيدة . وقد تقدم .
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١
{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } أي: [ذات] المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته.
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢
وقوله ( واليوم الموعود وشاهد ومشهود ) اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ) واليوم الموعود ) يوم القيامة ( وشاهد ) يوم الجمعة وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه ، " ومشهود يوم عرفة .
وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة أما علي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية ( وشاهد ومشهود ) قال يعني الشاهد يوم الجمعة ويوم مشهود يوم القيامة .
وقال أحمد أيضا : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يونس سمعت عمارا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة وأنه قال في هذه الآية ( وشاهد ومشهود ) قال الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة .
وقد روي عن أبي هريرة أنه قال اليوم الموعود يوم القيامة وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد
ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي ، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الموعود يوم القيامة وإن الشاهد يوم الجمعة وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا "
ثم قال ابن جرير حدثنا سهل بن موسى الرازي حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة "
وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب ثم قال ابن جرير
حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) هود : 103
وحدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال سأل رجل الحسن بن علي عن ( وشاهد ومشهود ) قال سألت أحدا قبلي قال نعم ، سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا يوم الذبح ويوم الجمعة فقال لا ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرأ ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) النساء : 41 والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) .
وهكذا قال الحسن البصري وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب : ( ومشهود ) يوم القيامة .
وقال مجاهد وعكرمة والضحاك الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة
وعن عكرمة أيضا الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم الجمعة
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الشاهد الله والمشهود يوم القيامة
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ( وشاهد ومشهود ) قال الشاهد الإنسان . والمشهود يوم الجمعة هكذا رواه ابن أبي حاتم
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ( وشاهد ومشهود ) الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة
وبه عن سفيان - هو الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال يوم الذبح ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود
قال ابن جرير وقال آخرون المشهود يوم الجمعة ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني عمي عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة "
وعن سعيد بن جبير الشاهد : الله وتلا ( وكفى بالله شهيدا ) النساء 79 ] والمشهود نحن حكاه البغوي وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢
أي الموعود به .
وهو قسم آخر , وهو يوم القيامة ; من غير اختلاف بين أهل التأويل .
قال ابن عباس : وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه .
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢
{ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ } وهو يوم القيامة، الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، ويضم فيه أولهم وآخرهم، وقاصيهم ودانيهم، الذي لا يمكن أن يتغير، ولا يخلف الله الميعاد.
وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣
نسخ
مشاركة
التفسير
وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣
وقوله ( واليوم الموعود وشاهد ومشهود ) اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ) واليوم الموعود ) يوم القيامة ( وشاهد ) يوم الجمعة وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه ، " ومشهود يوم عرفة .
وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة أما علي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية ( وشاهد ومشهود ) قال يعني الشاهد يوم الجمعة ويوم مشهود يوم القيامة .
وقال أحمد أيضا : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يونس سمعت عمارا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة وأنه قال في هذه الآية ( وشاهد ومشهود ) قال الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة .
وقد روي عن أبي هريرة أنه قال اليوم الموعود يوم القيامة وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد
ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي ، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الموعود يوم القيامة وإن الشاهد يوم الجمعة وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا "
ثم قال ابن جرير حدثنا سهل بن موسى الرازي حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة "
وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب ثم قال ابن جرير
حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) هود : 103
وحدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال سأل رجل الحسن بن علي عن ( وشاهد ومشهود ) قال سألت أحدا قبلي قال نعم ، سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا يوم الذبح ويوم الجمعة فقال لا ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرأ ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) النساء : 41 والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) .
وهكذا قال الحسن البصري وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب : ( ومشهود ) يوم القيامة .
وقال مجاهد وعكرمة والضحاك الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة
وعن عكرمة أيضا الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم الجمعة
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الشاهد الله والمشهود يوم القيامة
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ( وشاهد ومشهود ) قال الشاهد الإنسان . والمشهود يوم الجمعة هكذا رواه ابن أبي حاتم
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ( وشاهد ومشهود ) الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة
وبه عن سفيان - هو الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال يوم الذبح ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود
قال ابن جرير وقال آخرون المشهود يوم الجمعة ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني عمي عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة "
وعن سعيد بن جبير الشاهد : الله وتلا ( وكفى بالله شهيدا ) النساء 79 ] والمشهود نحن حكاه البغوي وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة
وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣
وشاهد ومشهود اختلف فيهما ; فقال علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - : الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة . وهو قول الحسن . ورواه أبو هريرة مرفوعا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة . . . " خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة ، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره . وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عنه . قال القشيري فيوم الجمعة يشهد على كل عامل بما عمل فيه .
قلت : وكذلك سائر الأيام والليالي ; فكل يوم شاهد ، وكذا كل ليلة ; ودليله ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه : يا بن آدم ، أنا خلق جديد ، وأنا فيما تعمل عليك شهيد ، فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا ، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا ، ويقول الليل مثل ذلك . حديث غريب من حديث معاوية ، تفرد به عنه زيد العمي ، ولا أعلمه مرفوعا . عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد . وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى . وقال سعيد بن المسيب : الشاهد : التروية ، والمشهود : يوم عرفة . وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي - رضي الله عنه - : الشاهد يوم عرفة ، والمشهود يوم النحر . وقاله النخعي . وعن علي أيضا : المشهود يوم عرفة . وقال ابن عباس والحسين بن علي - رضي الله عنهما - : المشهود يوم القيامة ; لقوله تعالى : ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود .
قلت : وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد ، فقيل : الله تعالى ; عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ; بيانه : وكفى بالله شهيدا ، قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم . وقيل : محمد - صلى الله عليه وسلم - ; عن ابن عباس أيضا والحسين بن علي ; وقرأ ابن عباس فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، وقرأ الحسين يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا .
قلت : وأقرأ أنا ويكون الرسول عليكم شهيدا . وقيل : الأنبياء يشهدون على أممهم ; لقوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد . وقيل : آدم . وقيل : عيسى ابن مريم ; لقوله : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم . والمشهود : أمته . وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب : الشاهد الإنسان ; دليله : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . مقاتل : أعضاؤه ; بيانه : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . الحسين بن المفضل : الشاهد هذه الأمة ، والمشهود سائر الأمم ; بيانه : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس . وقيل : الشاهد : الحفظة ، والمشهود : بنو آدم . وقيل : الليالي والأيام . وقد بيناه .
قلت : وقد يشهد المال على صاحبه ، والأرض بما عمل عليها ; ففي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا المال خضر حلو ، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة " . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية : يومئذ تحدث أخبارها قال : " أتدرون ما أخبارها " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ، تقول عمل يوم كذا كذا كذا وكذا . قال : فهذه أخبارها " . قال حديث حسن غريب صحيح . وقيل : الشاهد الخلق ، شهدوا لله - عز وجل - بالوحدانية . والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى . وقيل : المشهود يوم الجمعة ; كما روى أبو الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة . . . " وذكر الحديث . خرجه ابن ماجه وغيره .
قلت : فعلى هذا يوم عرفة مشهود ; لأن الملائكة تشهده ، وتنزل فيه بالرحمة . وكذا يوم النحر إن شاء الله . وقال أبو بكر العطار : الشاهد الحجر الأسود ; يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين . والمشهود الحاج . وقيل : الشاهد الأنبياء ، والمشهود محمد - صلى الله عليه وسلم - ; بيانه : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة - إلى قوله تعالى - وأنا معكم من الشاهدين ) .s
وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣
{ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } وشمل هذا كل من اتصف بهذا الوصف أي: مبصر ومبصر، وحاضر ومحضور، وراء ومرئي.
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
نسخ
مشاركة
التفسير
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
أي لعن أصحاب الأخدود وجمعه أخاديد وهي الحفر في الأرض وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عز وجل فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم.
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
قوله تعالى : قتل أصحاب الأخدود أي لعن . قال ابن عباس : كل شيء في القرآن قتل فهو لعن . وهذا جواب القسم في قول الفراء - واللام فيه مضمرة ; كقوله : والشمس وضحاها ثم قال قد أفلح من زكاها : أي لقد أفلح . وقيل : فيه تقديم وتأخير ; أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج ; قاله أبو حاتم السجستاني . ابن الأنباري : وهذا غلط لأنه لا يجوز لقائل أن يقول : والله قام زيد على معنى قام زيد والله . وقال قوم : جواب القسم إن بطش ربك لشديد وهذا قبيح ; لأن الكلام قد طال بينهما . وقيل : إن الذين فتنوا . وقيل : جواب القسم محذوف ، أي والسماء ذات البروج لتبعثن . وهذا اختيار ابن الأنباري . والأخدود : الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق ، وجمعه أخاديد . ومنه الخد لمجاري الدموع ، والمخدة ; لأن الخد يوضع عليها . ويقال : تخدد وجه الرجل : إذا صارت فيه أخاديد من جراح . قال طرفة :
ووجه كأن الشمس حلت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
والمقسم عليه، ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة، وحكمه الظاهرة، ورحمته الواسعة.
وقيل: إن المقسم عليه قوله { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } وهذا دعاء عليهم بالهلاك.
و { الأخدود } الحفر التي تحفر في الأرض.
وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قومًا كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدودًا [في الأرض]، وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم فقال: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ }
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
نسخ
مشاركة
التفسير
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
فحفروا لهم في الأرض أخدودا وأججوا فيه نارا وأعدوا لها وقودا يسعرونها به ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها.
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
النار ذات الوقود ( النار ) بدل من ( الأخدود ) بدل الاشتمال . و ( الوقود ) بفتح الواو قراءة العامة وهو الحطب . وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم ( بضم الواو ) على المصدر ; أي ذات الاتقاد والالتهاب . وقيل : ذات الوقود بأبدان الناس . وقرأ أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن السميقع ( النار ذات ) بالرفع فيهما ; أي أحرقتهم النار ذات الوقود .
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
نسخ
مشاركة
التفسير
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين.
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
إذ هم عليها قعود أي الذين خددوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين ، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم . وقد اختلفت الرواة في حديثهم . والمعنى متقارب . ففي صحيح مسلم عن صهيب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ; فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر ; فبعث إليه غلاما يعلمه ; فكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ; فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه ; فإذا أتى الساحر ضربه ; فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي . وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر . فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة ، حتى يمضي الناس ; فرماها فقتلها ومضى الناس . فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب : أي بني ؟ أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ; فإن ابتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، ويداوي الناس من سائر الأدواء . فسمع جليس للملك كان قد عمي ، فأتاه بهدايا كثيرة فقال : ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني . فقال : إني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله ; فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك ؟ فآمن بالله فشفاه الله . فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ; فقال له الملك : من رد عليك بصرك ؟ قال ربي . قال : ولك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ; فجيء بالغلام فقال له الملك : أي بني ! أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل ؟ ! قال : أنا لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب ; فجيء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك . فأبى فدعا بالمنشار ، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه . ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك ; فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقاه . ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ; فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت ; فرجف بهم الجبل ، فسقطوا . وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله . فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور ، فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ; فذهبوا به فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت ; فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا . وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله . فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به . قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارمني ; فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال : باسم الله رب الغلام ; ثم رماه فوقع السهم في صدغه ، فوضع يده في صدغه ، في موضع السهم ، فمات ; فقال الناس : آمنا برب الغلام ! آمنا برب الغلام ! آمنا برب الغلام فأتي الملك فقيل له : أرأيت ما كنت ، تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس ; فأمر بالأخدود في أفواه السكك ، فخدت ، وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها - أو قيل له اقتحم - ففعلوا ; حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال ، لها الغلام : ( يا أمه اصبري فإنك على الحق ) . خرجه الترمذي بمعناه .
وفيه : ( وكان على طريق الغلام راهب في صومعة ) قال معمر : أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين . وفيه : ( أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا ، وأن الغلام دفن - قال - : فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل ) . وقال : حديث حسن غريب . ورواه الضحاك عن ابن عباس قال : كان ملك بنجران ، وفي رعيته رجل له فتى ، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر ، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ الإنجيل ; فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب ، فدخل في دين الراهب ; فأقبل يوما فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم ، فأخذ حجرا فقال باسم الله رب السماوات والأرض وما بينهما ; فقتلها . وذكر نحو ما تقدم . وأن الملك لما رماه بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك : لا إله إلا إله عبد الله بن ثامر ، وكان اسم الغلام ، فغضب الملك ، وأمر فخدت أخاديد ، وجمع فيها حطب ونار ، وعرض أهل مملكته عليها ، فمن رجع عن التوحيد تركه ، ومن ثبت على دينه قذفه في النار . وجيء بامرأة مرضع فقيل لها ارجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك - قال - فأشفقت وهمت بالرجوع ، فقال لها الصبي المرضع : يا أمي ، اثبتي على ما أنت عليه ، فإنما هي غميضة ; فألقوها وابنها .
وروى أبو صالح عن ابن عباس أن النار ارتفعت من الأخدود فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم . وقال الضحاك : هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعين سنة ، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري ، وكانوا نيفا وثمانين رجلا ، وحفر لهم أخدودا وأحرقهم فيه . حكاه الماوردي ، وحكى الثعلبي عنه أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل ، أخذوا رجالا ونساء ، فخدوا لهم الأخاديد ، ثم أوقدوا فيها النار ، ثم أقيم المؤمنون عليها . وقيل لهم : تكفرون أو تقذفون في النار ؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه ; وقال عطية العوفي . وروي نحو هذا عن ابن عباس . وقال علي - رضي الله عنه - : إن ملكا سكر فوقع على أخته ، فأراد أن يجعل ذلك شرعا في رعيته فلم يقبلوا ; فأشارت إليه أن يخطب بأن الله - عز وجل - أحل نكاح الأخوات ، فلم يسمع منه . فأشارت إليه أن يخد لهم الأخدود ، ويلقي فيه كل من عصاه . ففعل . قال : وبقاياهم ينكحون الأخوات وهم المجوس ، وكانوا أهل كتاب . وروي عن علي أيضا أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبيا بعثه الله تعالى إلى الحبشة ، فاتبعه ناس ، فخد لهم قومهم أخدودا ، فمن اتبع النبي رمي فيها ، فجيء بامرأة لها بني رضيع فجزعت ، فقال لها : يا أماه ، امضي ولا تجزعي . وقال أيوب عن عكرمة قال : قتل أصحاب الأخدود قال : كانوا من قومك من السجستان . وقال الكلبي : هم نصارى نجران ، أخذوا بها قوما مؤمنين ، فخدوا لهم سبعة أخاديد ، طول كل أخدود أربعون ذراعا ، وعرضه اثنا عشر ذراعا . ثم طرح فيه النفط والحطب ، ثم عرضوهم عليها ; فمن أبى قذفوه فيها . وقيل : قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين . وقال مقاتل : أصحاب الأخدود ثلاثة ; واحد بنجران ، والآخر بالشام ، والآخر بفارس . أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي ، وأما الذي بفارس فبختنصر ، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس . فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآنا ، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران . وذلك أن رجلين مسلمين كان أحدهما بتهامة ، والآخر بنجران ، أجر أحدهما نفسه ، فجعل يعمل ويقرأ الإنجيل ; فرأت ابنة المستأجر النور في قراءة الإنجيل ، فأخبرت أباها فأسلم . وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وامرأة ، بعد ما رفع عيسى ، فخد لهم يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري أخدودا ، وأوقد فيه النار ; وعرضهم على الكفر ، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار ، وقال : من رجع عن دين عيسى لم يقذف . وإن امرأة معها ولدها صغير لم يتكلم ، فرجعت ، فقال لها ابنها : يا أماه ، إني أرى أمامك نارا لا تطفأ ، فقذفا - جميعا - أنفسهما في النار ، فجعلها الله وابنها في الجنة . فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا . وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه : كان رجل من بقايا أهل دين عيسى بن مريم - عليه السلام - ، يقال له قيميون ، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة ، وكان سائحا في القرى ، لا يعرف بقرية إلا مضى عنها ، وكان بناء يعمل الطين . قال محمد بن كعب القرظي ، وكان أهل نجران أهل شرك يعبدون الأصنام ، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر ; فلما نزل بها قيميون ، بنى بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر ، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر ، فبعث إليه الثامر عبد الله بن الثامر ، فكان مع غلمان أهل نجران ، وكان عبد الله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من أمر صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه ، حتى أسلم ، فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن اسم الله الأعظم ، وكان الراهب يعلمه ، فكتمه إياه وقال : يا بن أخي ، إنك لن تحمله ، أخشى ضعفك عنه ; وكان أبو الثامر لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان . فلما رأى عبد الله أن الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم ، عمد إلى قداح فجمعها ، ثم لم يبق لله تعالى اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، لكل اسم قدح ; حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا ، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء ، فأخذه ثم قام إلى صاحبه ، فأخبره أنه علم اسم الله الأعظم الذي كتمه إياه ، فقال : وما هو ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع . فقال له : يا بن أخي ، قد أصبته ، فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل . فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال : يا عبد الله ، أتوحد الله وتدخل في ديني ، فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول : نعم ; فيوحد الله ويسلم ، فيدعو الله له فيشفى ، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي ; حتى رفع شأنه إلى ملكهم ، فدعاه فقال له : أفسدت علي أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين آبائي ، فلأمثلن بك . قال : لا تقدر على ذلك ; فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل ، فيطرح عن رأسه ، فيقع على الأرض ليس به بأس . وجعل يبعث به إلى مياه نجران ، بحار لا يلقى فيها شيء إلا هلك ، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس ; فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر : والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به ; فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي وقتلتني . فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته ، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة ، فقتله ، وهلك الملك مكانه ، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه . ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث ; فمن ذلك كان أصل النصرانية بنجران . فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك أو القتل ، فاختاروا القتل ، فخد لهم الأخدود ، فحرق بالنار وقتل بالسيف ، ومثل بهم حتى قتل منهم عشرين ألفا . وقال وهب بن منبه : اثني عشر ألفا . وقال الكلبي : كان أصحاب الأخدود سبعين ألفا قال وهب ثم لما غلب أرياط على اليمن خرج ذو نواس هاربا ، فاقتحم البحر بفرسه فغرق .
قال ابن إسحاق : وذو نواس هذا اسمه زرعة بن تبان أسعد الحميري ، وكان أيضا يسمى يوسف ، وكان له غدائر من شعر تنوس ، أي تضطرب ، فسمي ذا نواس ، وكان فعل هذا بأهل نجران ، فأفلت منهم رجل اسمه دوس ذو ثعلبان ، فساق الحبشة لينتصر بهم ، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر ، ألقى نفسه فيه ، وفيه يقول عمرو بن معدي كرب :
أتوعدني كأنك ذو رعين بأنعم عيشة أو ذو نواس
وكائن كان قبلك من نعيم وملك ثابت في الناس راس
قديم عهده من عهد عاد عظيم قاهر الجبروت قاس
أزال الدهر ملكهم فأضحى ينقل من أناس في أناس
وذو رعين : ملك من ملوك حمير . ورعين حصن له وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ .
مسألة : قال علماؤنا : أعلم الله - عز وجل - المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد ، يؤنسهم بذلك . وذكر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام ، والمشقات التي كانوا عليها ، ليتأسوا بمثل هذا الغلام ، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به ، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته ، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره . وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار . وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم ، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم . ابن العربي : وهذا منسوخ عندنا ، حسب ما تقدم بيانه في سورة ( النحل ) .
قلت : ليس بمنسوخ عندنا ، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان : يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور : وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر : خرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ، وروى ابن سنجر ( محمد بن سنجر ) عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كنت أوضئ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأتاه رجل ، قال : أوصني فقال : " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار . . . " الحديث قال علماؤنا : ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقتل والصلب والتعذيب الشديد ، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق ، وغير ذلك ، وقد مضى في ( النحل ) أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك ، فتأمله هناك .
قوله تعالى : قتل أصحاب الأخدود دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى : وقيل : معناه الإخبار عن قتل أولئك المؤمنين ، أي إنهم قتلوا بالنار فصبروا : وقيل : هو إخبار عن أولئك الظالمين ، فإنه روي أن الله قبض أرواح الذين ألقوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار ، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت الذين هم عليها قعود : وقيل : إن المؤمنين نجوا ، وأحرقت النار الذين قعدوا ، ذكره النحاس ، ومعنى ( عليها ) أي عندها وعلى بمعنى عند ، وقيل : عليها على ما يدنو منها من حافات الأخدود ، كما قال :
وبات على النار الندى والمحلق
العامل في ( إذ ) : قتل ، أي لعنوا في ذلك الوقت .
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
نسخ
مشاركة
التفسير
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
أي حضور : يعني الكفار , كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين , فمن أبى ألقوه في النار وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك : وقيل : " على " بمعنى مع , أي وهم : مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود .
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
نسخ
مشاركة
التفسير
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
قال الله تعالى ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) أي وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
قوله تعالى : وما نقموا منهم وقرأ أبو حيوة ( نقموا ) بالكسر ، والفصيح هو الفتح ، وقد مضى في ( براءة ) القول فيه : أي ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم . إلا أن يؤمنوا أي إلا أن يصدقوا . بالله العزيز أي الغالب المنيع . الحميد أي المحمود في كل حال .
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
نسخ
مشاركة
التفسير
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
ثم قال ( الذي له ملك السماوات والأرض ) من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ( والله على كل شيء شهيد ) أي لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض ولا تخفى عليه خافية
وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم فعن علي رضي الله عنه أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليه علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم
وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم فغلب مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها
وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي
وقال العوفي عن ابن عباس ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) قال ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض ثم أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء فعرضوا عليها وزعموا أنه دانيال وأصحابه
وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقيل غير ذلك وقد قال الإمام أحمد
حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حبسك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر
قال فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا ، فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم وكان جليس للملك فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما هاهنا أجمع فقال ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك فقال ربي فقال أنا ؟ قال لا ربي وربك الله قال ولك رب غيري قال : نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء قال ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عز وجل قال أنا قال لا . قال أولك رب غيري قال ربي وربك الله فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى بالراهب فقال ارجع عن دينك ، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك ، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض وقال للغلام ارجع عن دينك ، فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله فبعث به مع نفر في قرقور فقال إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله ثم قال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال وما هو ؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل : باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال باسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام . فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر فقد - والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران ، وقال من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي اصبري يا أماه فإنك على الحق
وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان عن حماد بن سلمة ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد المعنى واحد قالا أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس والهمس في قول بعضهم تحريك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له : إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست ؟ قال إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم وبين أن أسلط عليهم عدوهم فاختاروا النقمة فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا قال وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر قال كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن تكهن له فقال الكاهن انظروا لي غلاما فهما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا فذكر القصة بتمامها وقال في آخره يقول الله عز وجل ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) حتى بلغ ( العزيز الحميد ) قال فأما الغلام فإنه دفن قال فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل ثم قال الترمذي حسن غريب .
وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى والله أعلم
وقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه قالوا رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى أقداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح وكل اسم في قدح حتى إذا أحصاها أوقد نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي كتمه فقال وما هو : قال هو كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره بما صنع قال أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل
فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول : نعم فيوحد الله ويسلم فيدعو الله له فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك . قال لا تقدر على ذلك . قال فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس وجعل يبعث به إلى مياه نجران بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني قال فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم عليه السلام من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران
قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر والله أعلم أي ذلك كان
قال فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخد الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا ففي ذي نواس وجنده أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ) .
هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس واسمه : زرعة ويسمى في زمان مملكته بيوسف وهو ابن تبان أسعد أبي كرب وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة واستصحب معه حبرين من يهود المدينة فكان تهود من تهود من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا ، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفا ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان ذهب فارسا وطردوا وراءه فلم يقدر عليه فذهب إلى قيصر ملك الشام فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة فأرسل معه جيشا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود وذهب ذو نواس هاربا فلجج في البحر فغرق واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس فأرسل معه من في السجون وكانوا قريبا من سبعمائة ففتح بهم اليمن ورجع الملك إلى حمير وسنذكر طرفا من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل )
وقال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته ، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخذت يده عنها ثعبت دما وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا .
وقد قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا رحمه الله : حدثنا أبو بلال الأشعري حدثنا إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حدثني بعض أهل العلم أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطا من حيطان المدينة قد سقط فبناه فسقط ثم بناه فسقط فقيل له إن تحته رجلا صالحا فحفر الأساس فوجد فيه رجلا قائما معه سيف فيه مكتوب : أنا الحارث بن مضاض نقمت على أصحاب الأخدود فاستخرجه أبو موسى وبنى الحائط فثبت
قلت : هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد نبت بن إسماعيل بن إبراهيم وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام إنه أول شعر قاله العرب :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروف الليالي والجدود العواثر
وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديما بعد زمان إسماعيل عليه السلام بقرب من خمسمائة سنة أو نحوها وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السلام وهو أشبه والله أعلم
وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم
حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أخبرنا صفوان عن عبد الرحمن بن جبير قال كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد فاتخذوا أتونا وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل بختنصر الذي وضع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل فأوقد لهم أتونا وألقى فيه الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهما بردا وسلاما وأنقذهما منها وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار
وقال أسباط عن السدي في قوله ( قتل أصحاب الأخدود ) قال : كانت الأخدود ثلاثة : خد بالعراق وخد بالشام وخد باليمن رواه ابن أبي حاتم
وعن مقاتل قال كانت الأخدود ثلاثة واحدة بنجران باليمن والأخرى بالشام والأخرى بفارس أما التي بالشام فهو أنطنانوس الرومي وأما التي بفارس فهو بختنصر وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله فيهم قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع هو ابن أنس في قوله ( قتل أصحاب الأخدود ) قال سمعنا أنهم كانوا قوما في زمان الفترة فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابا ، ( كل حزب بما لديهم فرحون ) المؤمنون 53 الروم : 32 اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله ( مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) البينة : 5 وكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له فقال لهم إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم فأبوا عليه فخد أخدودا من نار وقال لهم الجبار ووقفهم عليها اختاروا هذه أو الذي نحن فيه فقالوا هذه أحب إلينا وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية فقالوا لهم لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله عز وجل ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد )
ورواه ابن جرير حدثت عن عمار عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه .
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
الذي له ملك السماوات والأرض لا شريك له ولا نديد والله على كل شيء شهيد أي عالم بأعمال خلقه لا تخفى عليه خافية .
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
{ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } خلقًا وعبيدًا، يتصرف فيهم تصرف المالك بملكه ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علمًا وسمعًا وبصرًا، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله، أن يبطش بهم العزيز المقتدر، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله ، ليس لأحد على أحد سلطة، من دون إذن المالك؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على فعالهم ؟ كلا إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل.
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ٠١
نسخ
مشاركة
التفسير
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ٠١
وقوله ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ) أي حرقوا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى
( ثم لم يتوبوا ) أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا
( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل قال الحسن البصري انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ٠١
قوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي حرقوهم بالنار . والعرب تقول : فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته . ودينار مفتون . ويسمى الصائغ الفتان ، وكذلك الشيطان ، وورق فتين ، أي فضة محترقة . ويقال للحرة فتين ، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار ، وذلك لسوادها .
ثم لم يتوبوا أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام .
فلهم عذاب جهنم لكفرهم . ولهم عذاب الحريق في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار . وقد تقدم عن ابن عباس . وقيل : ولهم عذاب الحريق أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين . وقيل : لهم عذاب ، وعذاب جهنم الحريق . والحريق : اسم من أسماء جهنم ; كالسعير . والنار دركات وأنواع ولها أسماء . وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم ، ثم يعذبون بعذاب الحريق . فالأول عذاب ببردها ، والثاني عذاب بحرها .
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ٠١
ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } أي: العذاب الشديد المحرق.
قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
نسخ
مشاركة
التفسير
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بخلاف ما أعـد لأعدائه من الحريق والجحيم ولهذا قال "ذلك الفوز الكبير".s
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
إن الذين آمنوا أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله ; أي صدقوا به وبرسله .
وعملوا الصالحات لهم جنات أي بساتين . تجري من تحتها الأنهار من ماء غير آسن ، ومن لبن لم يتغير طعمه ، ومن خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى .
ذلك الفوز الكبير أي العظيم ، الذي لا فوز يشبهه .
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } الذي حصل به الفوز برضا الله ودار كرامته.
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ٢١
نسخ
مشاركة
التفسير
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ٢١
أي إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب.
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ٢١
قوله تعالى : إن بطش ربك لشديد أي أخذه الجبابرة والظلمة ، كقوله جل ثناؤه : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد . وقد تقدم . قال المبرد : إن بطش ربك جواب القسم . المعنى : والسماء ذات البروج إن بطش ربك ، وما بينهما معترض مؤكد للقسم . وكذلك قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة .
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ٢١
{ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } أي: إن عقوبته لأهل الجرائم والذنوب العظام [لقوية] شديدة، وهو بالمرصاد للظالمين كما قال الله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ٣١
نسخ
مشاركة
التفسير
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ٣١
أي من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ويعيده كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع.
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ٣١
إنه هو يبدئ ويعيد يعني الخلق - عن أكثر العلماء - يخلقهم ابتداء ، ثم يعيدهم عند البعث ، وروى عكرمة قال : عجب الكفار من إحياء الله - جل ثناؤه - الأموات ، وقال ابن عباس : يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ، ثم يعيده عليهم في الآخرة . وهذا اختيار الطبري .
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ٣١
{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } أي: هو المنفرد بإبداء الخلق وإعادته، فلا مشارك له في ذلك .
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ٤١
نسخ
مشاركة
التفسير
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ٤١
أي يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان والودود قال ابن عباس وغيره هو الحبيب.
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ٤١
وهو الغفور أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها .
الودود أي المحب لأوليائه . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة . وعنه أيضا الودود أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة ، وقال مجاهد الواد لأوليائه ، فعول بمعنى فاعل . وقال ابن زيد : الرحيم ، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد قول الشاعر :
وأركب في الروع عريانة ذلول الجناح لقاحا ودودا
أي لا ولد لها تحن إليه ، ويكون معنى الآية : إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله ، ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء . وقيل : الودود بمعنى المودود ، كركوب وحلوب ، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه .
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ٤١
{ وَهُوَ الْغَفُورُ } الذي يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات لمن استغفره وأناب.
{ الْوَدُودُ } الذي يحبه أحبابه محبة لا يشبهها شيء فكما أنه لا يشابهه شيء في صفات الجلال والجمال، والمعاني والأفعال، فمحبته في قلوب خواص خلقه، التابعة لذلك، لا يشبهها شيء من أنواع المحاب، ولهذا كانت محبته أصل العبودية، وهي المحبة التي تتقدم جميع المحاب وتغلبها، وإن لم يكن غيرها تبعًا لها، كانت عذابًا على أهلها، وهو تعالى الودود، الواد لأحبابه، كما قال تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } والمودة هي المحبة الصافية، وفي هذا سر لطيف، حيث قرن { الودود } بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، كما قاله بعض الغالطين.
بل الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من رجل له راحلة، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه، فأضلها في أرض فلاة مهلكة، فأيس منها، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو على تلك الحال، إذا راحلته على رأسه، فأخذ بخطامها، فالله أعظم فرحًا بتوبة العبد من هذا براحلته، وهذا أعظم فرح يقدر.
فلله الحمد والثناء، وصفو الوداد، ما أعظم بره، وأكثر خيره، وأغزر إحسانه، وأوسع امتنانه"
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ٥١
نسخ
مشاركة
التفسير
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ٥١
( ذو العرش ) أي صاحب العرش المعظم العالي على جميع الخلائق
و ( المجيد ) فيه قراءتان الرفع على أنه صفة للرب عز وجل والجر على أنه صفة للعرش وكلاهما معنى صحيح
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ٥١
ذو العرش المجيد قرأ الكوفيون إلا عاصما المجيد بالخفض ، نعتا للعرش . وقيل : ل ربك ; أي إن بطش ربك المجيد لشديد ، ولم يمتنع الفصل ، لأنه جار مجرى الصفة في التشديد . الباقون بالرفع نعتا ل " ذو " وهو الله تعالى . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل ، والله سبحانه المنعوت بذلك ، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر ( المؤمنون ) . تقول العرب : في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ; أي تناهيا فيه ، حتى يقتبس منهما . ومعنى ذو العرش : أي ذو الملك والسلطان ; كما يقال : فلان على سرير ملكه ; وإن لم يكن على سرير . ويقال : ثل عرشه : أي ذهب سلطانه . وقد مضى بيان هذا في ( الأعراف ) وخاصة في ( كتاب الأسنى ، في شرح أسماء الله الحسنى ) .
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ٥١
{ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } أي: صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته، أنه وسع السماوات والأرض والكرسي، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، بالنسبة لسائر الأرض، وخص الله العرش بالذكر، لعظمته، ولأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى، وهذا على قراءة الجر، يكون { المجيد } نعتا للعرش، وأما على قراءة الرفع، فإن المجيد نعت لله ، والمجد سعة الأوصاف وعظمتها.
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ٦١
نسخ
مشاركة
التفسير
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ٦١
( فعال لما يريد ) أي مهما أراد فعله لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت هل نظر إليك الطبيب قال نعم . قالوا فما قال لك قال قال لي إني فعال لما أريدs
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ٦١
فعال لما يريد أي لا يمتنع عليه شيء يريده . الزمخشري : فعال خبر ابتداء محذوف . وإنما قيل : فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة . وقال الفراء : هو رفع على التكرير والاستئناف ; لأنه نكرة محضة . وقال الطبري : رفع ( فعال ) وهي نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود . وعن أبي السفر قال : دخل ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر - رضي الله عنه - يعودونه فقالوا : ألا نأتيك بطبيب ؟ قال : قد رآني ! قالوا : فما قال لك ؟ قال : قال : إني فعال لما أريد .
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ٦١
{ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } أي: مهما أراد شيئًا فعله، إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وليس أحد فعالًا لما يريد إلا الله.
فإن المخلوقات، ولو أرادت شيئًا، فإنه لا بد لإرادتها من معاون وممانع، والله لا معاون لإرادته، ولا ممانع له مما أراد.
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ٧١
نسخ
مشاركة
التفسير
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ٧١
أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى "إن بطش ربك لشديد" أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ "هل أتاك حديث الجنود" فقام يستمع فقال "نعم قد جاءني".
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ٧١
أي قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم ; يؤنسه بذلك ويسليه .
ثم بينهم فقال .
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ٧١
ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما جاءت به رسله، فقال: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود } وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين.
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ٨١
نسخ
مشاركة
التفسير
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ٨١
أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى "إن بطش ربك لشديد" أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ "هل أتاك حديث الجنود" فقام يستمع فقال "نعم قد جاءني".
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ٨١
فرعون وثمود وهما في موضع جر على البدل من الجنود . المعنى : إنك قد عرفت ما فعل الله بهم حين كذبوا أنبياءه ورسله .
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ٨١
ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما جاءت به رسله، فقال: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود } وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين.
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ٩١
نسخ
مشاركة
التفسير
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ٩١
أي هم في شك وريب وكفر وعناد.
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ٩١
بل الذين كفروا أي من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك .
في تكذيب لك ; كدأب من قبلهم . وإنما خص فرعون وثمود ; لأن ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين ، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم ، وكان من المتأخرين في الهلاك ; فدل بهما على أمثالهما في الهلاك . والله أعلم .
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ٩١
{ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ } أي: لا يزالون مستمرين على التكذيب والعناد، لا تنفع فيهم الآيات، ولا تجدي لديهم العظات.
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٠٢
نسخ
مشاركة
التفسير
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٠٢
أي هو قادر عليهم قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه.
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٠٢
قوله تعالى : والله من ورائهم محيط أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون . والمحاط به كالمحصور . وقيل : أي والله عالم بهم فهو يجازيهم .
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٠٢
{ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } أي: قد أحاط بهم علمًا وقدرة، كقوله: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } ففيه الوعيد الشديد للكافرين، من عقوبة من هم في قبضته، وتحت تدبيره.
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ١٢
نسخ
مشاركة
التفسير
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ١٢
أي عظيم كريم.
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ١٢
بل هو قرآن مجيد أي متناه في الشرف والكرم والبركة ، وهو بيان ما بالناس الحاجة إليه من أحكام الدين والدنيا ، لا كما زعم المشركون . وقيل مجيد : أي غير مخلوق .
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ١٢
{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الخير والعلم.
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ ٢٢
نسخ
مشاركة
التفسير
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ ٢٢
( في لوح محفوظ ) أي هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل
قال ابن جرير حدثنا عمرو بن علي حدثنا قرة بن سليمان حدثنا حرب بن سريج حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك في قوله ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) قال إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) في جبهة إسرافيل .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية بن صالح أن أبا الأعيس هو عبد الرحمن بن سلمان قال ما من شيء قضى الله القرآن فما قبله وما بعده إلا وهو في اللوح المحفوظ واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه
وقال الحسن البصري إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه
وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال إنه في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة . قال واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه نور وكلامه معقود بالعرش وأصله في حجر ملك .
قال مقاتل اللوح المحفوظ عن يمين العرش
وقال الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء .
آخر تفسير سورة البروج ولله الحمد .
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ ٢٢
في لوح محفوظ أي مكتوب في لوح . وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه . وقيل : هو أم الكتاب ; ومنه انتسخ القرآن والكتب . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : " اللوح من ياقوتة حمراء ، أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك يقال له ماطريون ، كتابه نور ، وقلمه نور ، ينظر الله - عز وجل - فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ; ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء ; يرفع وضيعا ، ويضع رفيعا ، ويغني فقيرا ، ويفقر غنيا ; يحيي ويميت ، ويفعل ما يشاء ; لا إله إلا هو " . وقال أنس بن مالك ومجاهد ، إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله تعالى في جبهة إسرافيل . وقال مقاتل : اللوح المحفوظ عن يمين العرش . وقيل : اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق والخليقة ، وبيان أمورهم ، وهو أم الكتاب .
وقال ابن عباس : أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ " إني أنا الله لا إله إلا أنا ، محمد رسولي ، من استسلم لقضائي ، وصبر على بلائي ، وشكر نعمائي ، كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين ، ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ، ولم يشكر نعمائي ، فليتخذ إلها سواي " .
وكتب الحجاج إلى محمد بن الحنفية - رضي الله عنه - يتوعده ; فكتب إليه ابن الحنفية : " بلغني أن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة في اللوح المحفوظ ; يعز ويذل ، ويبتلي ويفرح ، ويفعل ما يريد ; فلعل نظرة منها تشغلك بنفسك ، فتشتغل بها ولا تتفرغ " .
وقال بعض المفسرين : اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤنه . وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة قرآن مجيد على الإضافة ; أي قرآن رب مجيد . وقرأ نافع ( في لوح محفوظ ) بالرفع نعتا للقرآن ; أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح . الباقون ( بالجر ) نعتا ل " لوح " . والقراء متفقون على فتح اللام من ( لوح ) إلا ما روي عن يحيى بن يعمر ; فإنه قرأ " لوح " بضم اللام ، أي إنه يلوح ، وهو ذو نور وعلو وشرف . قال الزمخشري : واللوح الهواء ; يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح . وفي الصحاح : لاح الشيء يلوح لوحا أي لمح . ولاحه السفر : غيره . ولاح لوحا ولواحا : عطش ، والتاح مثله . واللوح : الكتف ، وكل عظم عريض . واللوح : الذي يكتب فيه . واللوح ( بالضم ) : الهواء بين السماء والأرض . والحمد لله .
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ ٢٢
{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } من التغيير والزيادة والنقص، ومحفوظ من الشياطين، وهو: اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء.
وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته، ورفعة قدره عند الله تعالى، والله أعلم.
تم تفسير السورة.
صَدَق الْلَّه الْعَظِيْم